Saturday, December 10, 2011

عندما بكى النخل " أبي " .. !

عندما بكى النخل " أبي " .. !
كل شيء يذكرني بك .. كل شيء يجعلك تلمع داخلي كضوء سرمدي لا تنطفيء شعلته أبدا ..
نخلاتك الباسقات وهي تمد ذراعيها في المدى وتفتح أحضانها لتشرب وتمتص أشعة الشمس الحارقة .. جريدها الأخضر المائل للصفرة وهو يمتد ويرتفع وكأنه يريد أن يشق عنان السماء .. ليغرس أطرافه الحادة في جسد الخلود ناسجا قصة أمنا النخلة مع ابناء الأراضي الصحرواية .. وارتباطها بالصبر والعطاء الذي  لا ينضب وبالاكتفاء والارتواء حتى والموارد قد جفت وتصحرت  .. ! أذكر يوم جرحت عينيك بطرف جريد إحدى نخلاتك الحبيبات وقمت تزيل القذى والأذى عنهما يوما بعد يوم ، دون أن تنبس بنبرة تذمر أو شكوى .. وكأن نخلتك كانت تداعبك وتذكرك بأن الاقتراب أكثر من اللازم من الحبيب قد يجر أقدامنا إلى ما لا تحمد عقباه .. ! كنت اتأملك وأنت تتغزل في محبوباتك وتأخذني في رحلة شبه يومية نتفقد فيها أحوال رعيتك من النخل .. ندور عليهن جميعا وأنت تحكي لي دون ملل ولا كلل تاريخ كل واحدة منهن ومن أين أتت .. وتوقعاتك لزمن تبرعم أقنيتها أو كمية  ما ستنتجه من التمر ذلك العام .. ولا أنسى أبدا محطتك الأخيرة بقرب باب بيتنا حيث تقبع نخلتك " الحلوة " الأثيرة بقطوفها الدانية وهي تكاد تمد أذرعها المكتنزة بحبات الرطب الأحمر الشهي ..!  لا زلت أذكر عيناك وهي تلمعان بخيط صارخ من الفرح وهما ترنوان إلى الفسائل النامية في حضن إحدى النخلات بينما يتهدل الجريد فوقهن مدثرا وحانيا .. نظرتك الزاهية والمبتهجة ببنات النخل كانت ولا زالت تأسرني وتخطف مجامع قلبي وكأنني أراك اللحظة والساعة .. أو كأن المشهد قدحفر ثناياه في ذكراتي وثبت نفسه عند زر التوقف .. كلماتك وهي ترن في إذني قائلة : النخل يحزن ويفرح .. يبتهج ويرقص طربا .. وتنغلق أساريره حزنا .. نحنو على النخل فيحنو علينا .. نحبه فيحبنا .. نعطيه فيعطينا .. وهل كان هناك أكبر ولا أعمق من حبك لهن جميعا وكأنهن بناتك ؟! هل يا ترى نبع حبك للنخلة من حبك للبنات وإيثارك لهن  ، أم أن حب النخلة بكل معانيها وما ترمز إليه جعلك تحب البنات ؟!  عشقك للنخل دوما كان يستوقفني ويدهشني يحمولته المتكتنزة بالشوق للانضواء تحت أجنحة النخل والاحتماء بفيئها الظليل  ، وكثيرا ما كنت تبدو لي شيخا  لم تغادره طفولة محرومة  .. أبى سيف اليتم إلا أن يحرمه من نفحات تحنان والده  فتركه خالي الوفاض إلا من محاولة استحلاب الحكايا والتدفءبحميمة ما يصل إلى مسامعه عن الأب الراحل   ..
 أم تراه شوق طاغ للاحتماء بفيء الحنونة هربا من نصب الدنيا وأكدارها .. ؟! ..
ماذا أذكر يا أبي لأذكر ؟!
وأي ذكريات ألملم لأللم يا أبي وأنت لا تفتأ تفاجئني بأن كل ما أفعله في حياتي ليس إلا قبسا من نورك وبوحي مما زرعته داخلي ..!  أي ذكريات ألملم لألمم يا أبي ونخلاتك لا زلن يذرفن الدموع حزنا على حضورك الغائب أو غيابك الحاضر .. !!
أمل زاهد