Wednesday, January 25, 2012

أخلاقنا وأخلاقهم .. !

أخلاقنا وأخلاقهم !!
عندما سئل الشيخ محمد عبده إبان زيارته لفرنسا قبل  قرن من الزمان عن الفرق بين مصر وأوربا قال مقولته المشهورة : وجدت في أوربا إسلاما بلا مسلمين ، ووجدت في بلادي مسلمين بلا إسلام !! ولعلي لا أبالغ حين أقول أن كل من يغرب إلى أوربا أو أمريكا أو يشرق لليابان مثلا ينتابه هذا الشعور الممض ، بل سيتساءل رغما عنه : ألسنا نحن المسلمون ؟! ألسنا من يؤمن أن الحياة الدنيا ليست إلا معبرا للحياة الدائمة الخالدة ، فلماذا تنتشر السرقة والرشوة والفساد والمحسوبية عندنا ؟!  ولماذا يتفوقون علينا في الصدق والأمانة ،والحرص على آداء العمل بإتقان والتفاني فيه،  والالتزام بالمواعيد ، والشعور بالمسؤولية الاجتماعية ، والحرص على الأعمال التطوعية ؟! لابد أن تلفت نظر الزائر للغرب الممارسات الديموقراطية والمشاركة والتمثيل الشعبي في نظام الحكم ، وذلك النظام الدقيق والاستراتيجات المرسومة ببراعة والتي لا تترك مجالا للأخطاء ، والقادرة على إصلاح نفسها وتقويم آلياتها عند حدوث أي خطأ أو تقصير ! لا بد أيضا أن يقف مشدوها أمام القوانين الرادعة والقادرة على الضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه التعدي على المال العام أو ممارسة التمييز الجنسي أو العرقي ! ناهيك بالطبع عن نظام المحاسبة والمساءلة الدقيق ، ومؤسسات المجتمع المدني التي ترفد الحكومة وتساعدها في مراقبة الفساد والضبط والربط ، والمطالبة بالحقوق والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية !  
بينما المنظومة الأخلاقية برمتها مأزومة في مجتعاتنا كما هو خطابنا الثقافي والاجتماعي والديني ، وحتى جانب الالتزام الأخلاقي في العلاقات بين الجنسين – وهو ما نباهي به كثيرا – ويفترض أن نتفوق فيه على الغرب ، ليس إلا بنيانا هشا يقوم على النفاق والازدواجية والخوف من العيب والعار والشنار ، أكثر مما يقوم على الالتزام الأخلاقي  القائم على التقوى والخوف من الخالق سبحانه وتعالى ـ والرغبة الاختيارية في تحقيق قيم الفضيلة ! فضبط الأخلاق المتعلقة بالجانب الجنسي قائم على الوصاية والتجسس أكثر مما يقوم على تعميق شعور المرء بمسؤوليته الفردية ، لذا - كثيرا وليس دائما - ما تنحرف تلك الأخلاق عن مسارها القويم عند أول تجربة تضعها على المحك حينما تبتعد عن الوصاية !  أو قد تتحايل على الوصاية وتمارس في الخفاء ما تستهجنه في العلن ، فتنتشر في المجتمع أنكى الأمراض الأخلاقية وأبشعها من وراء الستائر المغلقة  !
محاربة الفساد منظومة أخلاقية متكاملة لا تتجزأ ، فأبشع أنواع الفساد هي التي تؤدي لقتل الأرواح ، فمن أحيا نفسا كأنما أحيا الناس جميعا ومن قتلها فكأنما قتل الناس جميعا !  والفساد الذي يستلب الانسان ماله وحقوقه وكرامته سيؤدي حتما لفساد من نوع آخر، فالفقر يصيب المجتمع بكافة الشرور والأدواء بداية بالسرقة وليس نهاية بالانحراف والبحث عن لقمة العيش بين مستنقعات الرذيلة . ولا تعني أولوية محاربة الفساد المالي والإداري عدم الاكتراث بالفساد المتعلق بالأعراض كما يحاول البعض تحميل الكلام ما لا يمكن أن يحتمله !
محاربة الفساد تبدأ دوما من الأعلى إلى الأسفل ومن رأس الهرم حتى قاعدته وإلا فعلينا وعلى مجتمعاتنا السلام !
أمل زاهد

Saturday, January 7, 2012

حينما يصبح الموت أليفا !


حينما يصبح الموت أليفا !
تستعصي عليّ الحروف وتهجرني الكلمات منذ رحلت .. ! يتحشرج قلمي هنا أو هناك .. في أي مكان أحاول فيه ممارسة شخبطاتي يتحشرج ..!. يتوقف القلم .. تلهث أنفاسه صعودا وهبوطا .. تلتصق الحروف في حنجرته .. عبثا أحاول الصراخ علّه يلفظ ما في داخلي .. علّه يتنهدُ آلامي .. علّه يتنفس أوجاع فقدي لك  ..عبثأ أحاول الكتابة ولكن الكلمات تظل تراوغني وتختبئ في مكان قصي بعيداً عني ..!ولا أدري حقيقة هل أنا من أراوغ الكلمات أم أنها هي من تراوغني ؟! هل أؤجل عملية التشافي بالكتابة .. وأنا أعلم أنها هي فقط من يستطيع بلسمة جروحي ؟! ألم أكابد كثيرا كثيرا أوجاع فقدك وأنا أتجرع حضورك الغائب لسبع سنوات على التوالي ، دون أن تقوى كلماتي على استنشاق أنفاسها خارجي..؟!  ألم أكابد أوجاعي وقلمي مصابٌ بالخرس والشلل والبكم إذا ما حضرت ولم تحضر ..  أو إذا ما تنفست الأعياد ومناسبات العائلة  ذكراك وعبقك الحميم .. ثم لا تحضر إلا بغيابك القاتل الموجع   .!.. ألم أردد طويلا مع فيروز : تعا ولا تجي واكدب عليا .. الكدبة مش خطيه .. وتعا ولا تجي .. ولكن حتى الكدبه كانت عصية يا أبي ..!
ما بالي اليوم ألفظ كل هذا الوجع المحتبس وأنا التي زعمت أنني تصالحت مع فكرة رحيلك وقد رأيت الفناء يصول ويجول في جسدك الذاوي طويلا طويلا .. ما بالي اليوم أتنفس إنكارا ورفضا لرحيلك وأنا التي قاربت آلامك وآهاتك وامتلأت بها حتى الثمالة ؟!  قلت لمن حولي يوم رحلت أن الموت أضحى أليفا .. أعلنت صحبتي للموت صاخبةً عاليةً على الملأ يوم رحلت ..! نعم شعرت بألفة الموت وهو يقترب مني ويصافحني حد الوصول إليك يا جزءا من ذاتي .. ! قربي منه  وقربه مني في شخصك الحبيب أشعرني أنه اقتلع مخالبه وخلع عنه هيبته وهو يحطُ على جسدك  ..  نعم لقد ربّتُ  أنا على كتفي الموت ، وربّت هو الآخر على كتفيّ يوم رحلت .. لم أبال باقترابه وهبوطه ..  واصطدام أنفاسي بأنفاسه ..!.
لم أخشاه ولم أهابه .. بل لامسته .. اقتربت منه .. شعرت بأنفاس الموت وهي تطوف بالمكان وتطوقه من كل جانب .. لم أشعر بوحشيتها أو برودتها أو عريها من الحياة أو من أنس تدفق الحرارة داخلك ..! وكيف لي أن أشعر بوحشة الموت وبرودته وقد سكن جسدك الحبيب  يا أبي ؟! كيف لي أن أشعر بهيبته وقد أضحيت أنا الأخرى جزءا من هذا الموت الأليف  .. منجدلة معه ومتداخلة فيه ؟! توحدت مع الموت في جسدك حد الأنس به والامتزاج بجزيئاته والائتلاف معه .. هكذا أضحى الموت أليفا وأنت تعبر للحياة الأخرى ..! هكذا صحبته وصحبني واختلطت أنفاسنا معا  وأنت تغادر  دنيانا الفانية ..!
فجأة  .. شعرت بجناحيه يرفرفان ويقتربان  .. شيء ما قفز داخلي .. شيء ما صعد وهبط في أعماقي منبئا أن ساعة الرحيل قد أزفت ..! رميت بكأس الشاي جانبا .. وقفزت لا ألوي علي شيء لأكون إلى جانبك وأنت تعبر وتولد في حياة أخرى .. اصطدمت عيناي بوجهك الأبيض الشاحب وشفتيك وهما تنفحتان وتنغلقان .. رحت ألقنك الشهادتين مرةً بعد مرة .. بينما شفتاك تنغلقان وتنفتحان ..  صرخت بهم أن تعالوا .. ثم بلمح البصر وما بين غمضة عين وانتباهتها .. انسلت روحك كالنسمة الناعمة على مشهد منا جميعا .. مال رأسك وانغلقت شفتاك وغمضت عيناك وغادرت الحياة جسدك .. بهدوء وسلام غادرت .. ولكنك لم تغادر .. ولكنك أبدا لن تغادر ..!
 كيف لا يصبح الموت أليفا وقد انضممت  أنت يا أرحم الآباء إلى قافلته ؟! وكيف لا يصبح أليفا وهو وسيلة التلاقي حينما يعز اللقاء ؟!
 أمل زاهد