أخلاقنا وأخلاقهم !!
عندما سئل الشيخ محمد عبده إبان زيارته لفرنسا قبل قرن من الزمان عن الفرق بين مصر وأوربا قال مقولته المشهورة : وجدت في أوربا إسلاما بلا مسلمين ، ووجدت في بلادي مسلمين بلا إسلام !! ولعلي لا أبالغ حين أقول أن كل من يغرب إلى أوربا أو أمريكا أو يشرق لليابان مثلا ينتابه هذا الشعور الممض ، بل سيتساءل رغما عنه : ألسنا نحن المسلمون ؟! ألسنا من يؤمن أن الحياة الدنيا ليست إلا معبرا للحياة الدائمة الخالدة ، فلماذا تنتشر السرقة والرشوة والفساد والمحسوبية عندنا ؟! ولماذا يتفوقون علينا في الصدق والأمانة ،والحرص على آداء العمل بإتقان والتفاني فيه، والالتزام بالمواعيد ، والشعور بالمسؤولية الاجتماعية ، والحرص على الأعمال التطوعية ؟! لابد أن تلفت نظر الزائر للغرب الممارسات الديموقراطية والمشاركة والتمثيل الشعبي في نظام الحكم ، وذلك النظام الدقيق والاستراتيجات المرسومة ببراعة والتي لا تترك مجالا للأخطاء ، والقادرة على إصلاح نفسها وتقويم آلياتها عند حدوث أي خطأ أو تقصير ! لا بد أيضا أن يقف مشدوها أمام القوانين الرادعة والقادرة على الضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه التعدي على المال العام أو ممارسة التمييز الجنسي أو العرقي ! ناهيك بالطبع عن نظام المحاسبة والمساءلة الدقيق ، ومؤسسات المجتمع المدني التي ترفد الحكومة وتساعدها في مراقبة الفساد والضبط والربط ، والمطالبة بالحقوق والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية !
بينما المنظومة الأخلاقية برمتها مأزومة في مجتعاتنا كما هو خطابنا الثقافي والاجتماعي والديني ، وحتى جانب الالتزام الأخلاقي في العلاقات بين الجنسين – وهو ما نباهي به كثيرا – ويفترض أن نتفوق فيه على الغرب ، ليس إلا بنيانا هشا يقوم على النفاق والازدواجية والخوف من العيب والعار والشنار ، أكثر مما يقوم على الالتزام الأخلاقي القائم على التقوى والخوف من الخالق سبحانه وتعالى ـ والرغبة الاختيارية في تحقيق قيم الفضيلة ! فضبط الأخلاق المتعلقة بالجانب الجنسي قائم على الوصاية والتجسس أكثر مما يقوم على تعميق شعور المرء بمسؤوليته الفردية ، لذا - كثيرا وليس دائما - ما تنحرف تلك الأخلاق عن مسارها القويم عند أول تجربة تضعها على المحك حينما تبتعد عن الوصاية ! أو قد تتحايل على الوصاية وتمارس في الخفاء ما تستهجنه في العلن ، فتنتشر في المجتمع أنكى الأمراض الأخلاقية وأبشعها من وراء الستائر المغلقة !
محاربة الفساد منظومة أخلاقية متكاملة لا تتجزأ ، فأبشع أنواع الفساد هي التي تؤدي لقتل الأرواح ، فمن أحيا نفسا كأنما أحيا الناس جميعا ومن قتلها فكأنما قتل الناس جميعا ! والفساد الذي يستلب الانسان ماله وحقوقه وكرامته سيؤدي حتما لفساد من نوع آخر، فالفقر يصيب المجتمع بكافة الشرور والأدواء بداية بالسرقة وليس نهاية بالانحراف والبحث عن لقمة العيش بين مستنقعات الرذيلة . ولا تعني أولوية محاربة الفساد المالي والإداري عدم الاكتراث بالفساد المتعلق بالأعراض كما يحاول البعض تحميل الكلام ما لا يمكن أن يحتمله !
محاربة الفساد تبدأ دوما من الأعلى إلى الأسفل ومن رأس الهرم حتى قاعدته وإلا فعلينا وعلى مجتمعاتنا السلام !
أمل زاهد