Sunday, May 19, 2013

وفي البدء كانت الكلمة!..


 

 

توجعني الكتابة وتقض مضجعي كذلك الأرق المختبئ تحت وسائد جافها الكرى، توجعني الكتابة حدّ الحبل بها والتماهي مع تقلصاتها المؤلمة.. توجعني فأغص بكلماتي وأتحشرج بحروفي ويعسر المخاص ويعسر،.. وتشتد آلامه .. ومامن انفراجة تلوح في الأفق !.. يشكو قلمي الهجران وتتملل صفحاتي ضيقا بالفراغات البيضاء وبفحيح حشرجات الكلمات وهي تحاول التنفس خارجي .. تقرر الصفحات العذراء - رغما عني - أنه لابد من الانسلاخ من حالة الصمت المقدس الذي يلفني ويحتويني منذ زمن أخاله دهراً!.

رباه وماذا أقول وما يحدث حولنا مربك حد الذهول؟!..رباه وماذا أقول وقد عقدت الدهشة والحيرة لسان قلمي وأعاقت تدفق كلماته ؟!.. كثيرا ما يقول لي قرائي : أين أنت ِ؟ ولماذا لا تكتبين ؟! لا يعني الايقاف عن الكتابة التوقف عن الكتابة في مواقع التواصل الاجتماعي أو في المدونة أو في أي فضاء الكتروني؟! ولكني حقيقة وجدت نفسي في مرحلة أقرب فيها للخرس، وعدم القدرة على التفوه بحرف!..

وهل تستطيع كلمات العالم بأسره أن تمحو هذا الكم من الكراهية الذي يحيط بنا؟!.. هل تستطيع كلمات العالم بأسره أن تجيب على أسئلتنا المعلقة في الفضاء والتي تتلوى بحثا عن إجابات ؟!.. هل تستطيع الكلمات أن تفسر لنا لماذا تحولنا إلى وحوش ينهش بعضها بعضا؟!.. لماذا تحولنا إلى مخالب حادة تتحين الفرص لتنشب أنيابها في أجساد بعضنا؟! .. ولماذا لا يتورع الكثير منا على نفث سموم كراهيته في وجه المختلف ، بل لماذا صارت الكراهية هي سيدة المشهد ؟!.. لماذا تحولنا إلى لقمة سائغة في فك الطائفية والمذهبية والتشرذم؟!.. لماذا يتبادل الكثير منا ايميلات وبرودكاستات الكراهية والحقد ، دون أن يرف له قلب أو يتملل له ضمير؟!.

وماذا تفيد الكلمات في عالم يبدو أنه فقد الرشد ، وعُقمت فضاءاته عن استيلاد معاني للأشياء؟! ماذا تفيد الكلمات وقد أصيبت بقعتنا التعيسة من الأرض بلوثة الكراهية والصراعات والدماء والقتل وشهوة السلطة والاستبداد ؟!

ماذا تفيد الكلمات عندما تُقتل الأحلام في الأحداق ، وتجهض المنى وهي بعد في مهدها؟! ما أكذب حلم ما سموه الربيع العربي ، والذي تحول إلى كابوس طائفي يجثم على صدورنا جميعا!.. ويهددنا جميعا بحرق الأخضر واليابس!.. وتحويل أوطاننا العربية إلى كانتونات طائفية تفتتها الكراهية والأحقاد والصراعات!.. ما أوجع أن يٌلوح لك بحلم وتجري عليه فرحا مستبشرا لتكتشف أنه ليس إلا تهويمات ومجرد سراااب!..

ماذا تفيد الكلمات والكذب والزيف يتصدران المشهد ويلونان تفاصيل الصورة؟!.. ماذا تفيد الكلمات حين يتساوى الخير بالشر ، والفضيلة بالرذيلة ، والصدق بالكذب ، والوطنية بالمتاجرة بالأوطان ، والشرف بالخيانة ، ومرتزقة الإعلام بالأقلام الحرة ، والدين بالمتحدثين باسمه وهو منهم براء؟!..

هل تستطيع كلمات العالم بأسره بأن تفسر لي لماذا فشلنا ونظل نفشل في الحوار وفي تقبل الاختلاف ؟!.. لماذا يعتبر الاختلاف في الرأي قضية القضايا في عالمنا العربي المنكوب .. ويكفي أن تخالف أحدا رأيه ، لينصب لك سياط العدواة والكراهية!.. هل تستطيع الكلمات أن تفسر لنا لماذا نظل نلف وندور في أفلاك التخلف والتحزب البشع .. ولماذا يغشي العمى الايدلوجي البصائر فلا تكاد ترى حقيقة الأخطار المحدقة بها؟!..

أظل أتساءل وأتساءل عن قدرة الكلمات واللغة على صناعة تغيير في الوعي عندما يصبح الجنون هو سيد الموقف .؟! وهل ستسمع الكلمات من يضع في أذنيه وقرا؟!..

أظل أتساءل .. ولكن وجع الكتابة يظل يسكنني ويصول ويجول داخي ..

وسيظل قلمي يكتب رغما عني : وفي البدء كانت الكلمة!..

 

 

Wednesday, February 27, 2013

النسوية السعودية وخصومها ، والمعركة المقدسة !

ليس السؤال ماذا ستنجز المرأة في مجلس الشورى ، ولكن السؤال ماذا أنجز الرجل فيه من قبل ؟! كثيرا ما يثير السؤال السابق حفيظة النسوية السعودية التي لا تزال تقرع طبول النصر ابتهاجا بدخول المرأة للمجلس، حتى أن سؤالا من هذه النوعية من الممكن أن يعكر عليها صفو فرحتها بالنصر المبين ، لتضع من يثيره في خانة العداء للنسوية "المجيدة" والإنتصار للذكورية "الغاشمة".في حين أن سؤال الفعالية سيصب في مصلحة النسوية أولا ، فإذا ما أعطي المجلس صلاحيات حقيقية سينعكس ذلك على أداء المرأة فيه . لاشك أن سؤال فعالية المجلس سؤال مشروع بل لزوم ما يلزم ،في ظل فشل المجلس وتحنطه وجموده وبتر صلاحياته وعدم قدرته على الفعل الحقيقي ، وفي ظل ما تمر به منطقتنا العربية من زوابع عاصفة، فضلا على ارتفاع النبرة الحقوقية عاليا وامتداد أثرها لشارعنا السعودي . بناءً عليه لا يشكل السؤال الآنف تشكيكا في المرأة أو تبخيسا وانتقاصا من نساء الشورى ، ولكنه يسائل دور المجلس العقيم وفعاليته المبتورة ناهيك عن بعده عن التمثيل الشعبي  وانحصاره في أطر التعيين الحكومي .
من الممكن أن تستثمر النسوية السعودية سؤال فعالية المجلس ، خاصة وبوادر عدم قدرة المرأة على تحقيق مايذكر في المجلس تلوح في الأفق ، فالحال لايزال يراوح مكانه ..،ولا يبدو أن هناك أي تباشير توحي بأن هناك تغييرات نوعية تتعلق بصلاحيات المجلس في القريب العاجل. تستطيع النسوية السعودية أيضا الخروج من كهف فئويتها الضيق إلى رحاب خطاب وطني جامع يضع في اعتباره هموم الإنسان السعودي وشجونه بإثارة هذه النوعية من الأسئلة أولا، خاصة وخطاب النسوية في مجمله يبدو متراجعا ومتأخرا عن خطاب الشارع السعودي المتأجج على " تويتر" وغيره من مواقع التواصل الإجتماعي ، ولا أدل على ذلك من وسم # مجلس-شورى-منتخب. وفي حين يتحدث الشارع عن صلاحيات تشريعية ورقابية وانتخاب الأعضاء ، تنتشي النسوية السعودية بنصرها وتكاد تنحصر مطالباتها باحتكار نصف المجلس للنساء  ، وهو الذي لم يتحقق للمرأة في برلمانات الدول الراسخة في الديموقراطية..! وفي حين تشتعل النضالية وترتفع النبرة الحقوقية إذا ما تعلق الأمر بمنح نصف المقاعد للنساء ، يتراجع الخطاب ويفقد صبغته المشاكسة وشراسته عند الحديث عن صلاحيات المجلس وعدم فعاليته والمطالب الوطنية بانتخاب أعضائه ، بل قد يصل الأمر للتنكر لمباديء وقيم الحرية والديموقراطية نفسها والدفاع عن آلية التعيين الحكومي ما دامت هي التي كفلت للمرأة حضورا في المجلس..! مما يفقد النسوية السعودية مصداقيتها وتعاطف الشارع معها ، حيث تطل من برجها العاجي غير قادرة على الاتساق والانسجام مع معطيات الواقع واستحقاقات المرحلة والمطالبات الشعبية المشروعة.
 وهنا يبدو الخطاب النسوي أيضا خانعا ومستكينا للسياسي راضيا بعطاياه ، ومتغافلا عن دوره الجوهري في تكريس أوضاع المرأة المتدنية ، ومتعاميا ومنكرا لاستخدامه المرأة كورقة في اللعبة السياسية ..، بل متجاهلا أن القضية التي انشغل بها المشهد كثيرا " قيادة المرأة للسيارة " من الممكن حسمها بقرار سياسي على غرار قرار إشراك المرأة في الشورى ، وسيتم الامتثال للقرار والرضوخ له في نهاية الأمر .
 من منطلق التحزب والاصطفاف أيضا يوضع حديث الحضور الديكوري لنساء الشورى واستخدامه كصورة للتصدير في خانة المحرمات ..، كيف لا وهو أحد المفردات التي يستخدمها التيار الديني في حربه الشعواء ضد أية  تحديثات متعلقة بالمرأة ..! وهكذا تركل كرة القضايا المهمة بين أقدام التيارين ، وتضيع في حمى أم المعارك المقدسة بينهما ، فيكاد يختفي النقد الموضوعي للمجلس من خطاب النسوية السعودية- إلا قليلا- خوفا من تجييره لصالح وجهة نظر التيار المناويء..! وتُنقد فعالية المجلس وآدائه على الفسطاط المقابل ، في منهجية ذرائعية برجماتية تقدم النقد لتصل إلى هدفها الأول والأهم في المعركة المقدسة وهو قرار المرأة في بيتها وإزاحتها عن الفضاء العام . وكما تبدأ قضية الليبرالية ( الشكلانية)  بالمرأة وبعض الإصلاحات الإجتماعية دون مطالبات بإصلاحات سياسية حقيقة ، يتساوق معها خطاب التيار الديني التقليدي فهو يبدأ بالمرأة ويتنهي بها مختزلا الفساد في وجسدها وحضورها في الفضاء العام، متعاميا عن الفساد الأكبر ونهب مقدرات الوطن.!
لا يمكن إصلاح أوضاع المرأة من الأعلى إلى الأسفل ، فهاهي نورة الفايز تحتل منصبا رفيعا في وزارة التريبة والتعليم ، ولم يساعد تعيينها في حل مشاكل المرأة المزمنة والمتراكمة في الوزارة . وفي حين احتلت النساء 20% من المقاعد في قبة الشورى ، يبدو المشهد ممعنا في الكوميديا السوداء عندما يقبض على امرأة قادت السيارة لإنقاذ زوجها المريض ويؤخذ عليها تعهدا بعدم الإقدام على فعلتها مرة أخرى..!، وفي مزيد من التناقض العجائبي يُبلغ وليها بخروجها ومقدمها للبلاد برسالة جوال.كما أن تعيين المرأة في مجلس الشورى لن ينعكس على حياة المرأة المطحونة والمقهورة ،والتي تعاني الأمرين من واقع يتكالب عليها فيه الاجتماعي الثقافي مع الخطاب الوعظي ، وتؤطر الصورة بأنظمة حكومية تغلق عليها المنافذ.!
وقد سبق أن كتبت عبر هذا المنبر أن دخول المرأة للشورى معنوي فقط ،وقد يساهم في محاولة تفكيك الصورة الدونية النمطية المترسخة في اللاوعي الجمعي ، والتي من الممكن رصد تجلياتها في عشرات النكات الساخرة عن نساء الشورى التي هطلت من مختلف أقنية التواصل الحديثة ، والتي شاركت بعض النساء أنفسهن في تبادلها وإطلاقها ، بل وصل بعضها إلى الفبركة وتزييف الأخبار. مما يدلل على أن تفكيك الصورة الدونية يحتاج إلى جهد كبير ، يمتد إلى البنى الفكرية والأنساق الثقافية ومما يستدعي عملا جادا ومنهجيا على الخطاب التعليمي والإعلامي والثقافي والوعظي ، وذلك كله يحتاج لإرادة سياسية صارمة قبل كل شيء.
وعودة لخطاب النسوية السعودية ، فإنصافا لابد من ذكر أن هناك ندرة من الأصوات الصادقة مع نفسها ، أثارت أسئلة فعالية المجلس ودوره متطلعة إلى انتخاب أعضائه. فيما حاولت أخرى نقد معايير تعيين نساء الشورى والتساؤل على أي أسس اعتمدت ، وطرحت أسئلة أخرى عن تجاهل وتجاوز بعض المناطق والجامعات في المملكة ، وعن الحكمة من تعيين إحدى عشر سيدة من تخصصات طبية أو علمية دقيقة . ولكن يبقى السؤال هل تستطيع أقدر السيدات والرجال وأكثرهم خبرة وتمرسا في الشان العام ونشاطا حقوقيا على الانجاز في مجلس الشورى ، في ظل بقاء حاله وصلاحياته على ما هي عليه ؟!
 أمل زاهد