Sunday, June 10, 2012

حقوق المرأة السعودية المهدرة ومسؤولية السياسي

http://www.almqaal.com/?p=2187
حقوق المرأة السعودية المهدرة ومسؤولية السياسي !

كثيراً ما تُضمّن الكتابات والمقولات النسوية في صحافتنا أسطورة دعم السياسي للمرأة ورغبته في النهوض بها وإخراجها من عزلتها لتمارس دورها في الحياة العامة كاملاً غير منقوص، بينما يقف رجل الدين – وحده-  أو من أسماهم الدكتور محمد الدحيم "حملة الفقه"  كسد منيع في وجه هذه التحديثات ؛ فالسياسي يمنح ويعطي ، والفقيه يأخذ ويمنع !

 وقد تُحمل بعض الكتابات الأخرى تردي وضع المرأة ومراوحته مكانه للمجتمعات الذكورية الأبوية وسيطرتها على البنى الفكرية والأنساق الاجتماعية الثقافية مع إغفال دور السياسي في تكريس هذه البنى وترسيخ جذورها في الثقافة . بل قد يصل الأمر إلى تصوير حرمان المرأة من حقها في قيادة السيارة إلى الذكورية الغاشمة والفحولة الكاسرة ؛ التي تأبى إلا أن تحرم النساء من حق التنقل ثم تُخلى ساحة السياسي من أية مسؤولية ..! وكأن القضية هي قضية ممانعة ورفض من حزب المحافظة والتقليد في المجتمع ؛ يقابلها دعم وتبني للقضية من حزب الحداثة والتجديد ، بينما يقف السياسي موقف المتفرج في هذا الصراع منتظراً لحظة الحسم ليأخذ القرار بالسماح أو المنع ؛ في تسذيج وتسطيح متناهٍ للقضية من جهة ، وفي تزييف للوعي من جهة أخرى !

في حين أن ممانعة التحديثات المتعلقة بالمرأة  يُسأل عنها السياسي قبل الواعظ أو حامل الفقه ؛ ليس فقط لأن القرار السياسي هو الحاسم القاصم لأية ممانعة اجتماعية - وقد حدث ذلك في قضية تعليم المرأة وقضايا أخرى غيرها -، ولكن لأن السياسي تخلى عن مهمته ومسؤوليته في تهيئة البيئة الفكرية والثقافية لتغيير وتحسين أوضاع المرأة . فقُدمت التحديثات المتعلقة بالمرأة  للمجتمع مفرغة من مضامينها الفكرية وأساسيات بنيانها،مما يساهم في إعادة إنتاج الممانعات واستنساخ الجدليات العبثية العقيمة التي تشغل المشهد وتلهيه ؛ في حين أنها لا تقدم ولا تؤخر في الأمر شيئا ، كون القرار بداية ونهاية بيد السياسي !

يستدعي تغيير أحوال المرأة وتحسين أوضاعها الاجتماعية الاشتغال على تجديد الخطاب الديني ، وتفكيك الأنساق الثقافية المكرسة لدونية المرأة ، ولا يمكن أن يتم ذلك دون قرار وإرادة سياسية حاسمة؛ تُوضع من خلالها الإستراتجيات للعمل على الخطاب الديني والثقافي والتعليمي والإعلامي والاجتماعي في سبيل التأسيس لوعي مغاير فيما يتعلق بالمرأة ودورها في المجتمع والتنمية . فالبنى الفكرية للتشدد والتقليد لم تسقط علينا كسفاً من السماء ، بل أفسح لها الطريق لتتجذر وتنمو وتتعمق عبر التعليم والإعلام ، ومن خلال مفردات وأدبيات الخطاب الديني الوعظي الذي تركت له السيادة ليشكل الوعي الجمعي طبقاً لرؤيته الأحادية !

من نافل القول أيضاً أن الأنظمة الحكومية تلعب دوراً كبيراً في هدر حقوق المرأة المدنية وفي تكريس الفكر الوصائي عليها ، فهي محرومة من الإنصاف لا تستطيع اللجوء للقضاء إلا بموافقة الولي أو حضور مزكييّن من أهلها يعرفان بها كي تتمكن من رفع قضية ضد زوج أو أب يعنفها . ناهيك عن التعاميم الأخرى التي تساهم في إيقاع الظلم عليها في المحاكم في حالات الطلاق أو الخلع أو العضل أو الحضانة  . فضلا على حرمانها من حقها  في منح الجنسية لزوجها غير السعودي ثم لأبنائها منه أسوة بأخيها الرجل . فعلى أبناء المرأة السعودية من زوج غير سعودي الانتظار حتى بلوغ الثامنة عشر من العمر ؛ وهنا أيضا يتم التفريق بين الذكر والأنثى ، فيمنح الشاب الجنسية السعودية فيما لا تمنح الفتاة الجنسية إلا في حال زواجها من سعودي ! ناهيك أيضا عن غياب قوانين رادعة تحميها من العنف الذي قد يقع عليها من أب ظالم أو زوج متجبر ، ولعلّ مأساة المرأة الكبرى تتجلى في عدم الاعتراف بأهليتها الكاملة وخضوعها للوصاية الدائمة وموافقة ولي الأمر عند التعليم والعمل والسفر وإجراء العمليات وخلافه  !* 1

بناءً على ما سبق ؛ تتجلى الإشكالية الكبرى في خطاب النسوية السعودية بتوجيهه للبوصلة الوجهة الخاطئة ، فهو يمسك في الفرع دون الجذر وفي العرض الظاهر دون المرض .. فتتورط النسوية السعودية في صراعات مفتعلة وحامية الوطيس مع الوعاظ وحملة الفقه ، وهو صراع يفتقر للتكافؤ مع خصم قوي محصن بقبب القداسة ، تم تمكينه من أسباب السيادة والهيمنة الكاملة على المجتمع وثقافته !

 كما قد تنحرف أيضا بعض الكتابات النسوية إلى شخصنة القضايا والبحث عن معارك "دونكشيوتية" مع رموز التيار الوعظي ؛ دون اشتغال فكري جاد وواع على هز القناعات الراسخة في اللاشعور الجمعي ، وتقويض المقولات المتشددة والمتكلسة المتعلقة بالمرأة في الخطاب الديني والثقافي السائد .

أمل زاهد

·      1 كتاب أسوار الصمت \ قراءة في حقوق الفرد المدنية في السعودية للدكتور وليد الماجد

وللمزيد من المعلومات عن حقوق المرأة المدنية المهدرة الرجاء الرجوع للكتاب السابق فصل : حقوق المرأة .






Monday, June 4, 2012

جميلة السنّارية \ قصة قصيرة


جميلة السنّارية

كفاي تبحثان عن كفيه لتستوطنهما .. فيما راحت ذراعاه الصغيرتان تحاولان التسلق والالتفاف حولي   ..

لهيب النيران يغطي  المشهد برمته وذراعاه تكابدان وتكابدان لتلتفان حولي ..

أنزلت ذراعيه واستبطنت كفي اليمنى كفه الصغير .. تشبثت به بينما مال هو على جسدي الذي أخذ بالارتعاش كسعفة نخيل في ليل عاصف . عيوننا المتسعة راحت تراقب المشهد بينما يخفق قلبانا ويخفقان حتى يكادان يقفزان من صدرينا الصغيرين!

 يشتد الزحام وتلتحم الأجساد .. وخوفي من غضب أمي العاصف يتضاعف ..

 يسابق فضولي خوفي فيتجاوزه فأقرر معاندة خوفي والتشبث بالبقاء ..

 يطل بائع " المنتو" بابتسامته اللزجة وملامحه الكريهة ..يداه تمتدان لتتحسسان جسدي الذي يغطيه مريول المدرسة ، وشعور بضيق ثقيل ممض يجثم على كل كياني ولكني لا أنبس ببنت شفة..! أفر من الذكرى الكريهة كما فر جسدي ذات يوم من تحت يديه العابثتين وذلك الشيء المتصلب على مؤخرتي ..

 أقرر البقاء رغم طنين الذكرى الذي ارتفع داخلي وعلا لهيبه متزامنا مع أزيز النيران وهي تبتلع مقتنياتها ومدخراتها ..

أحاول جرجرة ذيل تنورتي وجرجرته ليغطي ركبتي بينما يرتفع وجيب قلبي ويعلو مع اقتراب الأجساد أكثر والتحامها وغرقها في طوفان مراقبة التهام النيران للصندقة الخشبية .. حتى خوفي من الأيادي العابثة والنظرات المتسلقة لجسدي الصغير الآخذ في التبرعم والالتفاف لم يكبح جماح فضولي ولم يروض رغبتي في البقاء ومعرفة ما سيحدث !

 أيهما أقوى الخوف أم الفضول ، المغامرة وتسلق هضابها والرغبة في الاكتشاف والمعرفة ، أم الركون إلى مركب الخوف والتوجس وهو يتهادى على أمواج الرتابة والملل ؟!

 استبقيه وهو يحاول المغادرة محاولا الانسلال من بين تلال الأجساد الضخمة .. تضعف مقاومته تحت ضغط يدي المتشبثة به فيستجيب هو الآخر لفضوله ونداء المغامرة العالي النبرة مقرراً البقاء مسندا جسده النحيل على جانبي الأيمن !

 أنين جميلة السنّارية المرتفع يشق عنان الأجساد المتلاصقة .. يبعدهم عواءها الموجع ويفسحون لها الطريق .. المرأة التي تسربلت داخلي دوما بعباءات الخوف والجنون تخلع عنها فجأة أرديتها لتبدو كقطة جريحة تلعق جراحها داخل غيمة من سحائب الدخان السوداء والأخرى الرمادية..!

سحائب هلعنا وخوفنا تلتف حولها وتلتف كلما مرت من حارتنا الصغيرة أو تعدت بقربنا ، فيتفرق الجمع هاربا إلى أمن الدور خوفاً من نوبات جنون قد تعصف بها ، بينما يلاحقنا صوتها وهي تلعن وتسب الحكومة التي سرقت منها مستشفى باب الشامي .. وتتوعد باستعادته من براثنها ذات يوم !

أشعر بحزن جارف وأنا أرى انكسارها ، والفقد والقهر يعصفان بها من رأسها لأخمص قدميها .. ترتعش غضبا وألما .. ينزاح شرشفها الطويل عن مفرق شعر هزمت السنون لونه الأسود .. خصلاتها المجعدة الشاحبة تتناثر ذات اليمين وذات اليسار .. ومدخرات السنين وأكوام المقتنيات تأكلها النيران ، بينما تمتد الأيادي الخائنة متسللة دون رحمة ولا رأفة لتسرق وتنهش وتقتسم ما تبقى  ..

 تند عن البائسة صرخة طويلة ممتدة بطول الزقاق الطويل الذي يفصل الخرابة عن الحرم ممتدا حتى آخر الدنيا .. ، يرتفع عواءها وصراخها وهي ترى الأيدي تجوس في ممتلكاتها ، والذئاب تنهش في لحمها وتقطع جسدها وتقتسمه على مشهد منها .. ذئاب مسعورة قررت أن لا تبقي ولا تذر شيئا من وليمة مجانية هبطت عليها من السماء .. لعلّ ما يقال عن ثروة المرأة المخبولة حقيقا .. لعلّها تحتفظ بجنيهات الذهب وريالات الفضة في تلافيف تلك الصدنقة البائسة .. لعلّها فعلا تمتلك حجة أرض مستشفى باب الشامي التي طالما جأرت قائلة أن الحكومة سرقتها منها ..!!

 ينزاح الخط الفاصل بين الوهم والحقيقة .. والجنون والعقل .. ليحتل الخبال وتهويماته المشهد بكل تفاصيله .. يصبح الجنون سيد المشهد .. يخرج حينا الصغير الوقور من رزانته ليرقص على أشلاء جميلة السنّارية ، بعد أن انتشله الحدث الجلل من أحضان الرتابة والملل .. وأخرج الوحشي البربري الكامن في أعماقه وأطلقه من عقاله بكل همجيته وتناقضاته ومشاعره البشرية المتأرجحة على حواف النجدّين ..! يتحول المشهد برمته إلى سعار محموم مجنون، ومشاعر مختلطة من حزن زائف مجدول بنشوة تتراقص وتستعر ولكنها تخجل من الإفصاح عن نفسها.. تحرك الراكد وخرج الجنون من مخابئه الدفينة !

 صوت فجيعة البائسة يزلزل أركان باب المجيدي ، عواءها وأنينها يداهم المشربيات المغلقة ويقتحم الردهات والدهاليز الموصدة خارقاً صمت البيوت ومبددا سكونها !

 تحملق العيون من خلف المشربيات محاولة كشف ما وراء المشهد .. والصندقة المحترقة.. والنار .. وجموع المتجمهرين ..

 تشق ثيابها بينما ترتفع أصواتهم قائلة لها : يا حرمة استري نفسك !

تنفتح فوهة القارورة عن روائح نفاذة من المشاعر الوحشية التي كانت تنتظر تلك اللحظة الفاصلة لتخرج وتبدي نفسها..  وتقتات متراقصة على بقايا صندقة المسكينة ، وتأكل من ثنايا روحها .. !

تشبثت يدي بيده أكثر وملت عليه محاولة حمايته من كل هذا .. ليتنا لم نبق .. ليتنا غادرنا من قبل فأنينها يشق مجامع قلبي الصغير .. والمشهد يزداد قسوة ووحشية وعبثية.. أريد أن نفر من كل هذا .. ولكن كيف الخروج ؟! وأين المفر ؟!!

أخيرا يظهر رجال الدفاع المدني في الصورة ، بينما يحتل صوت صفير سيارة المطافئ كل جزيئة من جسدي وكياني وأذنيّ ..

تفسح الجماهير لهم الطريق فأجد مهربا لي وله .. أسحب جسدي وأجر جسده هو الآخر وانطلق مسرعة ؛ بينما تتعلق عيناي بجميلة وشعرها المنثور وهي تقتحم النيران وتغيب داخل سحائب الدخان ودواماته الصلدة السواد  ..!

أمل زاهد