جميلة السنّارية
كفاي تبحثان عن كفيه لتستوطنهما .. فيما راحت
ذراعاه الصغيرتان تحاولان التسلق والالتفاف حولي
..
لهيب النيران يغطي المشهد برمته وذراعاه تكابدان وتكابدان لتلتفان
حولي ..
أنزلت ذراعيه واستبطنت كفي اليمنى كفه الصغير
.. تشبثت به بينما مال هو على جسدي الذي أخذ بالارتعاش كسعفة نخيل في ليل عاصف .
عيوننا المتسعة راحت تراقب المشهد بينما يخفق قلبانا ويخفقان حتى يكادان يقفزان من
صدرينا الصغيرين!
يشتد
الزحام وتلتحم الأجساد .. وخوفي من غضب أمي العاصف يتضاعف ..
يسابق
فضولي خوفي فيتجاوزه فأقرر معاندة خوفي والتشبث بالبقاء ..
يطل
بائع " المنتو" بابتسامته اللزجة وملامحه الكريهة ..يداه تمتدان
لتتحسسان جسدي الذي يغطيه مريول المدرسة ، وشعور بضيق ثقيل ممض يجثم على كل كياني
ولكني لا أنبس ببنت شفة..! أفر من الذكرى الكريهة كما فر جسدي ذات يوم من تحت يديه
العابثتين وذلك الشيء المتصلب على مؤخرتي ..
أقرر
البقاء رغم طنين الذكرى الذي ارتفع داخلي وعلا لهيبه متزامنا مع أزيز النيران وهي
تبتلع مقتنياتها ومدخراتها ..
أحاول جرجرة ذيل تنورتي وجرجرته ليغطي ركبتي
بينما يرتفع وجيب قلبي ويعلو مع اقتراب الأجساد أكثر والتحامها وغرقها في طوفان
مراقبة التهام النيران للصندقة الخشبية .. حتى خوفي من الأيادي العابثة والنظرات
المتسلقة لجسدي الصغير الآخذ في التبرعم والالتفاف لم يكبح جماح فضولي ولم يروض
رغبتي في البقاء ومعرفة ما سيحدث !
أيهما
أقوى الخوف أم الفضول ، المغامرة وتسلق هضابها والرغبة في الاكتشاف والمعرفة ، أم
الركون إلى مركب الخوف والتوجس وهو يتهادى على أمواج الرتابة والملل ؟!
استبقيه وهو يحاول المغادرة محاولا الانسلال من
بين تلال الأجساد الضخمة .. تضعف مقاومته تحت ضغط يدي المتشبثة به فيستجيب هو
الآخر لفضوله ونداء المغامرة العالي النبرة مقرراً البقاء مسندا جسده النحيل على
جانبي الأيمن !
أنين جميلة
السنّارية المرتفع يشق عنان الأجساد المتلاصقة .. يبعدهم عواءها الموجع ويفسحون
لها الطريق .. المرأة التي تسربلت داخلي دوما بعباءات الخوف والجنون تخلع عنها
فجأة أرديتها لتبدو كقطة جريحة تلعق جراحها داخل غيمة من سحائب الدخان السوداء
والأخرى الرمادية..!
سحائب هلعنا وخوفنا تلتف حولها وتلتف كلما مرت
من حارتنا الصغيرة أو تعدت بقربنا ، فيتفرق الجمع هاربا إلى أمن الدور خوفاً من
نوبات جنون قد تعصف بها ، بينما يلاحقنا صوتها وهي تلعن وتسب الحكومة التي سرقت
منها مستشفى باب الشامي .. وتتوعد باستعادته من براثنها ذات يوم !
أشعر بحزن جارف وأنا أرى انكسارها ، والفقد
والقهر يعصفان بها من رأسها لأخمص قدميها .. ترتعش غضبا وألما .. ينزاح شرشفها
الطويل عن مفرق شعر هزمت السنون لونه الأسود .. خصلاتها المجعدة الشاحبة تتناثر
ذات اليمين وذات اليسار .. ومدخرات السنين وأكوام المقتنيات تأكلها النيران ،
بينما تمتد الأيادي الخائنة متسللة دون رحمة ولا رأفة لتسرق وتنهش وتقتسم ما تبقى ..
تند
عن البائسة صرخة طويلة ممتدة بطول الزقاق الطويل الذي يفصل الخرابة عن الحرم ممتدا
حتى آخر الدنيا .. ، يرتفع عواءها وصراخها وهي ترى الأيدي تجوس في ممتلكاتها ،
والذئاب تنهش في لحمها وتقطع جسدها وتقتسمه على مشهد منها .. ذئاب مسعورة قررت أن
لا تبقي ولا تذر شيئا من وليمة مجانية هبطت عليها من السماء .. لعلّ ما يقال عن ثروة
المرأة المخبولة حقيقا .. لعلّها تحتفظ بجنيهات الذهب وريالات الفضة في تلافيف تلك
الصدنقة البائسة .. لعلّها فعلا تمتلك حجة أرض مستشفى باب الشامي التي طالما جأرت قائلة
أن الحكومة سرقتها منها ..!!
ينزاح
الخط الفاصل بين الوهم والحقيقة .. والجنون والعقل .. ليحتل الخبال وتهويماته
المشهد بكل تفاصيله .. يصبح الجنون سيد المشهد .. يخرج حينا الصغير الوقور من
رزانته ليرقص على أشلاء جميلة السنّارية ، بعد أن انتشله الحدث الجلل من أحضان
الرتابة والملل .. وأخرج الوحشي البربري الكامن في أعماقه وأطلقه من عقاله بكل
همجيته وتناقضاته ومشاعره البشرية المتأرجحة على حواف النجدّين ..! يتحول المشهد
برمته إلى سعار محموم مجنون، ومشاعر مختلطة من حزن زائف مجدول بنشوة تتراقص وتستعر
ولكنها تخجل من الإفصاح عن نفسها.. تحرك الراكد وخرج الجنون من مخابئه الدفينة !
صوت
فجيعة البائسة يزلزل أركان باب المجيدي ، عواءها وأنينها يداهم المشربيات المغلقة
ويقتحم الردهات والدهاليز الموصدة خارقاً صمت البيوت ومبددا سكونها !
تحملق
العيون من خلف المشربيات محاولة كشف ما وراء المشهد .. والصندقة المحترقة.. والنار
.. وجموع المتجمهرين ..
تشق
ثيابها بينما ترتفع أصواتهم قائلة لها : يا حرمة استري نفسك !
تنفتح فوهة القارورة عن روائح نفاذة من
المشاعر الوحشية التي كانت تنتظر تلك اللحظة الفاصلة لتخرج وتبدي نفسها.. وتقتات متراقصة على بقايا صندقة المسكينة ،
وتأكل من ثنايا روحها .. !
تشبثت يدي بيده أكثر وملت عليه محاولة حمايته
من كل هذا .. ليتنا لم نبق .. ليتنا غادرنا من قبل فأنينها يشق مجامع قلبي الصغير
.. والمشهد يزداد قسوة ووحشية وعبثية.. أريد أن نفر من كل هذا .. ولكن كيف الخروج
؟! وأين المفر ؟!!
أخيرا يظهر رجال الدفاع المدني في الصورة ،
بينما يحتل صوت صفير سيارة المطافئ كل جزيئة من جسدي وكياني وأذنيّ ..
تفسح الجماهير لهم الطريق فأجد مهربا لي وله
.. أسحب جسدي وأجر جسده هو الآخر وانطلق مسرعة ؛ بينما تتعلق عيناي بجميلة وشعرها
المنثور وهي تقتحم النيران وتغيب داخل سحائب الدخان ودواماته الصلدة السواد ..!
أمل زاهد
No comments:
Post a Comment