ثقافة الفساد والسنن الاجتماعية !
تسود مجتعاتنا ثقافة لا تستهجن الفساد ولا تستنكره بل تتقبله كأمر واقع وحتمي ، وإن اُستنكر شفط الأموال على خلفية المشاريع الضائعة وهدر المال العام ، إلا أن الفساد الإداري يتسلل بأياديه الخفية إلى بنية المجتمع دون وعي به أو إدراك لخطورة نتائجه !فتنتشر المحسوبية واستغلال السلطة والغش والتدليس وعدم الأمانة في أداء العمل ، وعدم الالتزام بالدوام الرسمي ، واستخدام سيارة العمل وتلفون العمل لأغراض شخصية وهلم جرا ! ولتجميل القبيح وللتخفيف من وقع بعض المسميات تصبح الرشوة هدية ، والواسطة والمحسوبية شوفة خاطر ومراعاة للقرابة ، حيث لا ضرر من اللجوء للواسطة لتوظيف الابن أو لينال البعثة ، وحتى المتربع على الكرسي يرى من واجبه منح الوظائف والامتيازات لبني عصبته ، وإلا اتهم بقلة الخير وبالأثرة والأنانية من أهله وعشيرته !
ورغم أهمية الوعي الفردي بضرورة محاربة الفساد بكافة أشكاله في دائرة الذات وما حولها ، إلا أن تفكيك ثقافة الفساد ببنيتها الآسنة لا يمكن أن يثمر ويؤتي أكله إلا عندما يبدأ من أعلى إلى أسفل وليس العكس ! ولا يمكن تحليل هذه البنية ومقاربتها ومعالجتها منفصلة عن الطبيعة البشرية والسنن الاجتماعية والظروف الاقتصادية والسياسية التي تمر بها المجتعات ! ففي ظل اختفاء العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وانتشار الفقر والعوز ، وسيادة ثقافة العصبيات والولاءات والمنح وإغداق المكرمات على من لا يستحقها لا بد أن ينتشر الفساد ! وتفكيك هذه الثقافة على المستوى الفردي لا يأتي عبر المواعظ الأفلاطونية المثالية، ومطالبة الإنسان بالتقوى ومراعاة الله فيما يفعل ، فالجائع الذي يبحث عن قوته وقوت عياله سينام ضميره رغما عنه ، عندما يرى أن الوسيلة الوحيدة لإطعام الأفواه الجائعة هي التحايل والطرق الملتوية! ومن يعرف أن الوظيفة ومورد الرزق ستتجاوزه إلى من هو أقل منه كفاءة إذا لم تكن لديه واسطة ، لن يتوان عن طلب الفزعة إذا ما سنحت له الفرصة ! ومن يعرف أن ابن المدير ينجح وينال أعلى الدرجات دون بذل جهد بينما يتعب ويشقى ويجهد نفسه في المذاكرة ، سيشعر بالغبن والقهر والإحباط ، وقد توجهه نوازعه البشرية للغش بدلا من التحصيل والانتاج! والمجتمع الذي يرى أن ثقافة الولاء مقدمة على ثقافة الانجاز ، لن يهتم بالإنجاز بل سيتهم بتقديم فروض الولاء والطاعة لمن يجلس على كراسي السلطة ، وهكذا تهدر الأوطان !
معالجة هذا الثقافة ودحرها وتقويضها يأتي عبر تطبيق القوانين وتفعيلها ( كائنا من كان ) من مارس الفساد . ودحر الفساد بشتى أشكاله يأتي عبر المساءلة والمراقبة ثم المحاسبة والمعاقبة ، والتي لا يمكن أن تتم إلا عبر تفعيل مؤسسات المجتمع المدني التي تراقب الفساد وتدعم الحكومة في رصد ممارساته .. ، وقبل كل هذا وذاك سيادة العدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين وتحسين مستوى الدخل والقضاء على البطالة وتحسين مستوى التعليم ليخرج أفرادا منتجين . ولا ننسى دور الإعلام الحر في كشف الفساد ورصد التجاوزات ، وإشراع الأبواب أمامه وتمكينه من صناعة الخبر ومتابعة حلقات الفساد ودوائره . وبما أن الدروب موصدة دون ما ذكر آنفا ، فسيظل الفساد ينخر ويستشري في كل مكان حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا .
أمل زاهد
No comments:
Post a Comment