Tuesday, July 26, 2011

وهم الخصوصية

وهم الخصوصية !
لا تزال  قضية الخصوصية احدى القضايا التي  تربك الوعي الجمعي بضبابية مفهومها والتباسه ، والخوف على الخصوصية وانتهاك قيمها  يمثل  الورقة الرابحة لكل من يريد التشبث بالماضوية وسدانة الموروث في زمن تتلاطم فيه المتغيرات  ..  ! وغالبا ما يتم التمترس وراء الخصوصية العصماء عند أية تحديثات تقدم للمجتمع ، لتقدم الخصوصية حتى على تعاليم الدين نفسه، ولنغرق في تهويمات وضلالات تجعلنا نراوح مكاننا .. !
دون شك لكل ثقافة خصوصيتها وملامحها المحددة التي تجعل منها كيانا مستقلا بذاته ، ولا يعني احتكاك الثقافات أن تزول الخطوط الفاصلة والملامح المميزة لكل ثقافة، والاندماج لا يعني الانصهار والذوبان  بل يعني التلاقح والتفاعل بين الثقافات ، وخلق علاقة جدلية بيننا وبين الآخر لا تقوم على التلقي السلبي ، بل على الانتقاء الواعي والتمحيص والغربلة .
و الثقافة الغربية نفسها ليست ثقافة واحدة  بل هي ثقافات متعددة لكل منها ما يميزها مع اشتراكها في بعض الخصائص والصفات ، فالثقافة الإيطالية احتفظت بطرازها المعماري والثقافة الأسبانية احتفظت بهويتها الموسيقية والفرنسية بعاداتها الغذائية والانجليزية بتنظيمها ودقتها كما تنزع الثقافة الأمريكية  نحو الابهار والضخامة .
والحضارة المعاصرة تتسع للاختلاف وتشجعه لأنها تعتبره مصدرا للثراء والتنوع ، وتؤكد على الخصوصية مع فتح الباب على مصراعيه لانتقاء القيم الجيدة من الثقافات الأخرى ،  فلا خوف على الخصوصية إلا من الانكفاء على الماضي والتقوقع على الذات لأن ذلك سيكرس لدورنا كمستهلكين للحضارة وليس كمنتجين لها ويجعلنا نغرق في النرجسية وتضخيم الذات والاعجاب المرضي بالماضي دون القدرة على خلق حاضر مواز له .. !
والكارثة أننا إذا اكتفينا بلعب  دور المستهلك  ولم نعمل على إعداد أنفسنا للعب دور الشريك الفاعل في الحضارة المعاصرة فسنستمر في لعب دور التابع الذليل. والسؤال الملح  الذي يطرح نفسه  هو لماذا فقدت ثقافتنا مناعتها ضد الهيمنة وأصبحت تابعة ؟ ولماذا أصبحنا مجرد متفرجين ومبتلعين لتقنيات الحضارة ؟
الدين الإسلامي ليس هشا ولا ضعيفا وتعاليمه قادت المسلمين الاوائل إلى طريق العلم والبحث والتجربة ، وحرضت العقول على التفكر في سنن الله ومعجزاته في الآفاق ، وقد أخذت الحضارة المعاصرة من الحضارة الإسلامية أبجديات منهج البحث العلمي القائم على الاستقراء والتجربة كما أخذت من الحضارات السابقة للإسلام .. ! ولكن المسلمين هم الضعفاء لأنهم يتعاملون مع الآخر من منطلقات الإحساس بالنقص والتوجس ، فلا خوف على ديننا أو إيماننا من احتكاكنا واندماجنا مع الآخر، ويمكننا التطور والاندماج في الحضارة المعاصرة دون أن نفقد هويتنا أو خصوصيتنا الثقافية .. علينا فقط أن نثق بأنفسنا وننقد موروثنا الثقافي بكل شجاعة وننتخب منه ما يدفعنا قدما في طريق التقدم ، وأن ننفتح على الآخر ونتخلص من مخاوفنا المرضية !
ليس هناك مفر من الانخراط في ركب الحضارة الحديثة ، إما كصنّاع لهذه الحضارة وإما كمستهلكين لمنجزاتها وشتان ما بين الصانع والمستهلك .. ! والمسألة ليست مسألة قبول أو رفض أو انتقاء لأننا لسنا في سوبر ماركت .. ! المسألة إما أن ندخل العصر كشركاء وإما كمتطفلين وليس هناك خيار ثالث لأننا وببساطة لا يمكن أن نعيش خارج العصر !
أمل زاهد

No comments:

Post a Comment