Sunday, June 10, 2012

حقوق المرأة السعودية المهدرة ومسؤولية السياسي

http://www.almqaal.com/?p=2187
حقوق المرأة السعودية المهدرة ومسؤولية السياسي !

كثيراً ما تُضمّن الكتابات والمقولات النسوية في صحافتنا أسطورة دعم السياسي للمرأة ورغبته في النهوض بها وإخراجها من عزلتها لتمارس دورها في الحياة العامة كاملاً غير منقوص، بينما يقف رجل الدين – وحده-  أو من أسماهم الدكتور محمد الدحيم "حملة الفقه"  كسد منيع في وجه هذه التحديثات ؛ فالسياسي يمنح ويعطي ، والفقيه يأخذ ويمنع !

 وقد تُحمل بعض الكتابات الأخرى تردي وضع المرأة ومراوحته مكانه للمجتمعات الذكورية الأبوية وسيطرتها على البنى الفكرية والأنساق الاجتماعية الثقافية مع إغفال دور السياسي في تكريس هذه البنى وترسيخ جذورها في الثقافة . بل قد يصل الأمر إلى تصوير حرمان المرأة من حقها في قيادة السيارة إلى الذكورية الغاشمة والفحولة الكاسرة ؛ التي تأبى إلا أن تحرم النساء من حق التنقل ثم تُخلى ساحة السياسي من أية مسؤولية ..! وكأن القضية هي قضية ممانعة ورفض من حزب المحافظة والتقليد في المجتمع ؛ يقابلها دعم وتبني للقضية من حزب الحداثة والتجديد ، بينما يقف السياسي موقف المتفرج في هذا الصراع منتظراً لحظة الحسم ليأخذ القرار بالسماح أو المنع ؛ في تسذيج وتسطيح متناهٍ للقضية من جهة ، وفي تزييف للوعي من جهة أخرى !

في حين أن ممانعة التحديثات المتعلقة بالمرأة  يُسأل عنها السياسي قبل الواعظ أو حامل الفقه ؛ ليس فقط لأن القرار السياسي هو الحاسم القاصم لأية ممانعة اجتماعية - وقد حدث ذلك في قضية تعليم المرأة وقضايا أخرى غيرها -، ولكن لأن السياسي تخلى عن مهمته ومسؤوليته في تهيئة البيئة الفكرية والثقافية لتغيير وتحسين أوضاع المرأة . فقُدمت التحديثات المتعلقة بالمرأة  للمجتمع مفرغة من مضامينها الفكرية وأساسيات بنيانها،مما يساهم في إعادة إنتاج الممانعات واستنساخ الجدليات العبثية العقيمة التي تشغل المشهد وتلهيه ؛ في حين أنها لا تقدم ولا تؤخر في الأمر شيئا ، كون القرار بداية ونهاية بيد السياسي !

يستدعي تغيير أحوال المرأة وتحسين أوضاعها الاجتماعية الاشتغال على تجديد الخطاب الديني ، وتفكيك الأنساق الثقافية المكرسة لدونية المرأة ، ولا يمكن أن يتم ذلك دون قرار وإرادة سياسية حاسمة؛ تُوضع من خلالها الإستراتجيات للعمل على الخطاب الديني والثقافي والتعليمي والإعلامي والاجتماعي في سبيل التأسيس لوعي مغاير فيما يتعلق بالمرأة ودورها في المجتمع والتنمية . فالبنى الفكرية للتشدد والتقليد لم تسقط علينا كسفاً من السماء ، بل أفسح لها الطريق لتتجذر وتنمو وتتعمق عبر التعليم والإعلام ، ومن خلال مفردات وأدبيات الخطاب الديني الوعظي الذي تركت له السيادة ليشكل الوعي الجمعي طبقاً لرؤيته الأحادية !

من نافل القول أيضاً أن الأنظمة الحكومية تلعب دوراً كبيراً في هدر حقوق المرأة المدنية وفي تكريس الفكر الوصائي عليها ، فهي محرومة من الإنصاف لا تستطيع اللجوء للقضاء إلا بموافقة الولي أو حضور مزكييّن من أهلها يعرفان بها كي تتمكن من رفع قضية ضد زوج أو أب يعنفها . ناهيك عن التعاميم الأخرى التي تساهم في إيقاع الظلم عليها في المحاكم في حالات الطلاق أو الخلع أو العضل أو الحضانة  . فضلا على حرمانها من حقها  في منح الجنسية لزوجها غير السعودي ثم لأبنائها منه أسوة بأخيها الرجل . فعلى أبناء المرأة السعودية من زوج غير سعودي الانتظار حتى بلوغ الثامنة عشر من العمر ؛ وهنا أيضا يتم التفريق بين الذكر والأنثى ، فيمنح الشاب الجنسية السعودية فيما لا تمنح الفتاة الجنسية إلا في حال زواجها من سعودي ! ناهيك أيضا عن غياب قوانين رادعة تحميها من العنف الذي قد يقع عليها من أب ظالم أو زوج متجبر ، ولعلّ مأساة المرأة الكبرى تتجلى في عدم الاعتراف بأهليتها الكاملة وخضوعها للوصاية الدائمة وموافقة ولي الأمر عند التعليم والعمل والسفر وإجراء العمليات وخلافه  !* 1

بناءً على ما سبق ؛ تتجلى الإشكالية الكبرى في خطاب النسوية السعودية بتوجيهه للبوصلة الوجهة الخاطئة ، فهو يمسك في الفرع دون الجذر وفي العرض الظاهر دون المرض .. فتتورط النسوية السعودية في صراعات مفتعلة وحامية الوطيس مع الوعاظ وحملة الفقه ، وهو صراع يفتقر للتكافؤ مع خصم قوي محصن بقبب القداسة ، تم تمكينه من أسباب السيادة والهيمنة الكاملة على المجتمع وثقافته !

 كما قد تنحرف أيضا بعض الكتابات النسوية إلى شخصنة القضايا والبحث عن معارك "دونكشيوتية" مع رموز التيار الوعظي ؛ دون اشتغال فكري جاد وواع على هز القناعات الراسخة في اللاشعور الجمعي ، وتقويض المقولات المتشددة والمتكلسة المتعلقة بالمرأة في الخطاب الديني والثقافي السائد .

أمل زاهد

·      1 كتاب أسوار الصمت \ قراءة في حقوق الفرد المدنية في السعودية للدكتور وليد الماجد

وللمزيد من المعلومات عن حقوق المرأة المدنية المهدرة الرجاء الرجوع للكتاب السابق فصل : حقوق المرأة .






Monday, June 4, 2012

جميلة السنّارية \ قصة قصيرة


جميلة السنّارية

كفاي تبحثان عن كفيه لتستوطنهما .. فيما راحت ذراعاه الصغيرتان تحاولان التسلق والالتفاف حولي   ..

لهيب النيران يغطي  المشهد برمته وذراعاه تكابدان وتكابدان لتلتفان حولي ..

أنزلت ذراعيه واستبطنت كفي اليمنى كفه الصغير .. تشبثت به بينما مال هو على جسدي الذي أخذ بالارتعاش كسعفة نخيل في ليل عاصف . عيوننا المتسعة راحت تراقب المشهد بينما يخفق قلبانا ويخفقان حتى يكادان يقفزان من صدرينا الصغيرين!

 يشتد الزحام وتلتحم الأجساد .. وخوفي من غضب أمي العاصف يتضاعف ..

 يسابق فضولي خوفي فيتجاوزه فأقرر معاندة خوفي والتشبث بالبقاء ..

 يطل بائع " المنتو" بابتسامته اللزجة وملامحه الكريهة ..يداه تمتدان لتتحسسان جسدي الذي يغطيه مريول المدرسة ، وشعور بضيق ثقيل ممض يجثم على كل كياني ولكني لا أنبس ببنت شفة..! أفر من الذكرى الكريهة كما فر جسدي ذات يوم من تحت يديه العابثتين وذلك الشيء المتصلب على مؤخرتي ..

 أقرر البقاء رغم طنين الذكرى الذي ارتفع داخلي وعلا لهيبه متزامنا مع أزيز النيران وهي تبتلع مقتنياتها ومدخراتها ..

أحاول جرجرة ذيل تنورتي وجرجرته ليغطي ركبتي بينما يرتفع وجيب قلبي ويعلو مع اقتراب الأجساد أكثر والتحامها وغرقها في طوفان مراقبة التهام النيران للصندقة الخشبية .. حتى خوفي من الأيادي العابثة والنظرات المتسلقة لجسدي الصغير الآخذ في التبرعم والالتفاف لم يكبح جماح فضولي ولم يروض رغبتي في البقاء ومعرفة ما سيحدث !

 أيهما أقوى الخوف أم الفضول ، المغامرة وتسلق هضابها والرغبة في الاكتشاف والمعرفة ، أم الركون إلى مركب الخوف والتوجس وهو يتهادى على أمواج الرتابة والملل ؟!

 استبقيه وهو يحاول المغادرة محاولا الانسلال من بين تلال الأجساد الضخمة .. تضعف مقاومته تحت ضغط يدي المتشبثة به فيستجيب هو الآخر لفضوله ونداء المغامرة العالي النبرة مقرراً البقاء مسندا جسده النحيل على جانبي الأيمن !

 أنين جميلة السنّارية المرتفع يشق عنان الأجساد المتلاصقة .. يبعدهم عواءها الموجع ويفسحون لها الطريق .. المرأة التي تسربلت داخلي دوما بعباءات الخوف والجنون تخلع عنها فجأة أرديتها لتبدو كقطة جريحة تلعق جراحها داخل غيمة من سحائب الدخان السوداء والأخرى الرمادية..!

سحائب هلعنا وخوفنا تلتف حولها وتلتف كلما مرت من حارتنا الصغيرة أو تعدت بقربنا ، فيتفرق الجمع هاربا إلى أمن الدور خوفاً من نوبات جنون قد تعصف بها ، بينما يلاحقنا صوتها وهي تلعن وتسب الحكومة التي سرقت منها مستشفى باب الشامي .. وتتوعد باستعادته من براثنها ذات يوم !

أشعر بحزن جارف وأنا أرى انكسارها ، والفقد والقهر يعصفان بها من رأسها لأخمص قدميها .. ترتعش غضبا وألما .. ينزاح شرشفها الطويل عن مفرق شعر هزمت السنون لونه الأسود .. خصلاتها المجعدة الشاحبة تتناثر ذات اليمين وذات اليسار .. ومدخرات السنين وأكوام المقتنيات تأكلها النيران ، بينما تمتد الأيادي الخائنة متسللة دون رحمة ولا رأفة لتسرق وتنهش وتقتسم ما تبقى  ..

 تند عن البائسة صرخة طويلة ممتدة بطول الزقاق الطويل الذي يفصل الخرابة عن الحرم ممتدا حتى آخر الدنيا .. ، يرتفع عواءها وصراخها وهي ترى الأيدي تجوس في ممتلكاتها ، والذئاب تنهش في لحمها وتقطع جسدها وتقتسمه على مشهد منها .. ذئاب مسعورة قررت أن لا تبقي ولا تذر شيئا من وليمة مجانية هبطت عليها من السماء .. لعلّ ما يقال عن ثروة المرأة المخبولة حقيقا .. لعلّها تحتفظ بجنيهات الذهب وريالات الفضة في تلافيف تلك الصدنقة البائسة .. لعلّها فعلا تمتلك حجة أرض مستشفى باب الشامي التي طالما جأرت قائلة أن الحكومة سرقتها منها ..!!

 ينزاح الخط الفاصل بين الوهم والحقيقة .. والجنون والعقل .. ليحتل الخبال وتهويماته المشهد بكل تفاصيله .. يصبح الجنون سيد المشهد .. يخرج حينا الصغير الوقور من رزانته ليرقص على أشلاء جميلة السنّارية ، بعد أن انتشله الحدث الجلل من أحضان الرتابة والملل .. وأخرج الوحشي البربري الكامن في أعماقه وأطلقه من عقاله بكل همجيته وتناقضاته ومشاعره البشرية المتأرجحة على حواف النجدّين ..! يتحول المشهد برمته إلى سعار محموم مجنون، ومشاعر مختلطة من حزن زائف مجدول بنشوة تتراقص وتستعر ولكنها تخجل من الإفصاح عن نفسها.. تحرك الراكد وخرج الجنون من مخابئه الدفينة !

 صوت فجيعة البائسة يزلزل أركان باب المجيدي ، عواءها وأنينها يداهم المشربيات المغلقة ويقتحم الردهات والدهاليز الموصدة خارقاً صمت البيوت ومبددا سكونها !

 تحملق العيون من خلف المشربيات محاولة كشف ما وراء المشهد .. والصندقة المحترقة.. والنار .. وجموع المتجمهرين ..

 تشق ثيابها بينما ترتفع أصواتهم قائلة لها : يا حرمة استري نفسك !

تنفتح فوهة القارورة عن روائح نفاذة من المشاعر الوحشية التي كانت تنتظر تلك اللحظة الفاصلة لتخرج وتبدي نفسها..  وتقتات متراقصة على بقايا صندقة المسكينة ، وتأكل من ثنايا روحها .. !

تشبثت يدي بيده أكثر وملت عليه محاولة حمايته من كل هذا .. ليتنا لم نبق .. ليتنا غادرنا من قبل فأنينها يشق مجامع قلبي الصغير .. والمشهد يزداد قسوة ووحشية وعبثية.. أريد أن نفر من كل هذا .. ولكن كيف الخروج ؟! وأين المفر ؟!!

أخيرا يظهر رجال الدفاع المدني في الصورة ، بينما يحتل صوت صفير سيارة المطافئ كل جزيئة من جسدي وكياني وأذنيّ ..

تفسح الجماهير لهم الطريق فأجد مهربا لي وله .. أسحب جسدي وأجر جسده هو الآخر وانطلق مسرعة ؛ بينما تتعلق عيناي بجميلة وشعرها المنثور وهي تقتحم النيران وتغيب داخل سحائب الدخان ودواماته الصلدة السواد  ..!

أمل زاهد


Saturday, March 3, 2012

والرجل فتنة أيضا ..!

من أبرز مظاهر تكريس دونية المرأة في ثقافتنا هو وصفها بأنها أحبولة الشيطان ومصدر الفتنة والغواية ، بل هي الفتنة متحركة على قدمين ولا هم لها أو هاجسا إلا إغواء الرجل ونصب الفخاخ لتوقعه في مكائدها،ولتعزيز وتكريس تلك النظرة يتم استدعاء الأمثال الشعبية المؤكدة والمكرسة لفكرة الفتنة والإغواء ، ولا تنس عزيزي الرجل أن تعسة أعشار المرأة دهاء والعشر الأخير بلاء !! وأن تملصت من بين يدي الأمثال الشعبية، ستخرج لك الثقافة بعض الأساطير أو الحكايات الشعبية من مخابئها في دهاليز الموروث الثقافي لتنشط جهازك المناعي ضد المرأة (الفتنة) ، أو تستحضر لك حكايا حقيقية أو مختلقة لبعض نماذج النساء الغاويات المغويات لتعزز من قوتك اللوجستية .. في تجاهل مقصود لنماذج الرجال البارعين والمتمرسين في إغواء النساء ، وفي تغاضي تام عن الطبيعة البشرية ونوازعها المجبولة على الصراع بين الخير والشر عند الرجل والمرأة على حد سواء ، قال تعالى : (ونفس وماسواها فألهمها فجورها وتقواها  قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) دون تخصيص لجنس دون الآخر !
يتغافل ذات الخطاب أيضا عن أن الرجل هو أيضا فتنة للمرأة وكما يفتتن بجمالها من الممكن أن تتفتن هي بوسامته ، وقصة سيدنا يوسف مع امرأة العزيز في سورة يوسف خير دليل على ذلك الافتتان !  كما أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه نفى نصر بن حجاج الذي اشتهر بالوسامة من المدينة المنورة لافتتان النساء به ، عندما تناهى إلى مسامع عمر بن الخطاب رضي الله عنه قصيدة نظمتها إحداهن تتمنى فيه وصله !
 يقول الإمام المجدد محمد عبده في أعماله الكاملة  إن كل الكتابات التي كانت تلح على ضرورة الحجاب- الحجاب هنا بمعنى تغطية الوجه -  في عصره ركزت على خوف الفتنة ، فهو أمر يتعلق بقلوب الخائفين من الرجال ، وعلى من يخاف الفتنة منهم أن يغض بصره. ويضيف أن آية غض البصر تتوجه إلى الرجال والنساء وأن المرأة "ليست بأولى من الرجل بتغطية وجهها. ويتساءل : عجبا !! لم يؤمر الرجال بالتبرقع وستر وجوههم عن النساء إذا خافوا الفتنة عليهن ؟! هل اعتبرت عزيمة الرجل أضعف من عزيمة المرأة ؟! واعتبر الرجل أعجز من المرأة عن ضبط نفسه والحكم على هواه ؟!.واعتبرت المرأة أقوى منه في ذلك حتى أبيح للرجال أن يكشفوا وجوههم لأعين النساء مهما كان لهم من الحسن والجمال ؟!!)
أمر الله تعالى الرجال والنساء على حد سواء بغض البصر في دلالة بليغة من لدن الحكيم الخبير على المساواة بين الجنسين حتى في احتمالية الوقوع في الفتنة ، والتهذيب القرآني يدعو إلى تزكية النفوس وتقويمها ، وتربية الضمائر وتنقية القلوب للجنسين .. فالمرأة ليست وحدها الفتنة كما تؤكد الثقافة السائدة ولكن الرجل فتنة أيضا !!
أمل زاهد

Tuesday, February 21, 2012

التعاطي الإعلامي مع الهيئة وتزييف الوعي

 التعاطي الإعلامي مع الهيئة وتزييف الوعي!
ما إن أوشكنا على تنفس الصعداء ونحن نلمح معركة " ذات الملتقى " تكاد تلملم أطرافها وغبارها  لتغادر مشهدنا الثقافي - بخصوصيته العجائبية المتفردة-، حتى دخل المشهد بقضه وقضيضه ومقالاته وبرامجه الحوارية في معترك جدلية هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذلك بعيد تعيين الشيخ " عبد اللطيف آل الشيخ " على سدة رئاستها . فمن مهلل ومستبشر بالرئيس الجديد ومتفائل بطروحاته المعتدلة ، وبالتالي مؤمل فيما يمكن أن يجترحه من إصلاحات في إدارة الجهاز وآليات تعامله مع أفراد المجتمع !،.. إلى مغازل للوعي الجمعي الذي تم استلابه واختطافه ليوحد بين وجود جهاز الهيئة - بشكله القمعي الحالي، والمحصور في دوائر الشكلانية الصرفة وتفاصيل اللباس والعلاقات بين الجنسين- ، وبين الدين نفسه وتعاليم الشريعة ذاتها !،.. رابطا وقارنا بين الفضيلة نفسها كقيمة وسلوك فاعل في الممارسات المجتمعية بوجود جهاز الهيئة !،.. فلولاه لدكت قلاع الفضيلة وانهارت القيم وتهاوت منظومة الأخلاق !، .. ومنهم من يتجاوز متألياً على ضمائر العباد .. شاهرا اتهامات النفاق ومرض القلوب والرغبة في إفساد المجتمع على المحاربين للهيئة كما يزعم الكاتب ، .. وذلك بعناوين فاقعة على شاكلة " لماذا هم خائفون من الهيئة ؟!"، .. ليقوم الكاتب بتحليل نفسي "جهبذي" لسيكلوجية أولئك الممانعين الرافضين لوجود الهيئة ، مؤكداً أن كل أخطاء الهيئة اجتهادات فردية فلكل جهاز حكومي أخطاؤه ، والأخطاء لا تستدعي الإلغاء بل الإصلاح ، فلا يعني وجود الأخطاء الطبية القاتلة في القطاع الطبي إلغاءه ، وذلك في ربط سقيم وتدليل عار من المنطق!.. فيما تدفقت الرسائل على رئيس الهيئة الجديد من كل حدب وصوب  تسأله الإصلاح والتطوير والحدّ من أخطاء المحتسبين وحسن التعامل تارة ، أو تدلل على نواياه الإصلاحية بكف أيدي المتعاونين مع جهاز الهيئة طامحةً في المزيد تارة أخرى ..، وصولا إلى مطالب تقنين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحرير عمل الهيئة من السلطوية ومراقبة الناس ومحاكمتهم والتعامل معهم بالعنف والترهيب ، وقد يرتفع سقف المطالب تارة أخرى ليصل إلى منع منسوبي الهيئة من الدخول للأماكن العامة !..
 أما الأقلام الأكثر صراحة والتي تحاول نقض وتفنيد فكرة "جبرية" الفضيلة وفرضها، واختزالها في جسد المرأة والعلاقات بين الجنسين..، وطوباوية واستحالة الفكرة الأخرى الموازية لها بإمكانية "حراسة الفضيلة " ، لا تستطيع التحرك إلا في حدود الأطر" الرقابية " الضيقة جداً والمسيجة داخل قضبان المنع والحظر والمسلط عليها أبدا سيف المنع من النشر ؛ والتي يعلمها جيداً كل من يتعاطى الكتابة اليوم في صحفنا!.. فتمارس تلك الأقلام النقد على استحياء تارة ، والمواربة والتحايل وتضمين للمعاني بين السطور تارة أخرى .. في قطيعة " إجبارية " مع البعد السياسي للقضية ، رغم الدعم المالي السخي الذي تدفق على جهاز الهيئة بعيد ثورة " حنين " المزعومة !.. في حين تحاول قليل من الأقلام الجريئة الحفر عميقا وتفكيك أبعاد ومضامين مفهوم الحسبة بشكله الحالي، ومفارقة تلك المضامين لجوهر الحسبة الحقيقي في الإسلام ، مضمنة نقدها للسياسي ما بين متن الكلام وثناياه ، ولكنها لا تستطيع الإيغال بعيدا لتصل إلى رفض "حوكمة" و"عسكرة"  الهيئة ، وقد تلمح ولكنها لا تستطيع التصريح بقيام السياسي بتفريغ مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مضامينه المدنية ، ومن ثم الالتفاف عليه ومحاصرته داخل أطر الشكلانيات بعيدا عن الحيز العام ، واستلابه من بعده الحقوقي السياسي ، وإبعاده عن المطالبة بالمساءلة ورفع الجور وسن القوانين .. كما كتب الأستاذ "أحمد الجنيدل" في مقالته الوافية في منبر" المقال"  الحر بعنوان " الهيئة ومشروع مؤسسة المجتمع المدني المجهض ".
 والإشكالية الحقيقية أن جلّ الكتابات النقدية عن الهيئة تسهم -سواء بوعي أو دون وعي – بالتأصيل للهيئة كمؤسسة "حكومية" ومباركتها من حيث تريد النقد أو النقض ،!.. فالمطالبة بالتطوير والحدّ من فجاجة وشراسة بعض منسوبي الهيئة وتعداد أخطائهم المتكررة والمطالبة بمحاسبتهم ، وبتقنين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يضمن الإقرار والقبول ، ومن ثم المباركة مع شرطية التطوير والإصلاح ..! فيما تنحرف بعض الكتابات النقدية لتمارس التملق والمداهنة فتصف جهاز الهيئة :  بالجهاز الحكومي المؤثر بشدة في رسم خارطة الطريق الاجتماعية لهذه الأمة ! وتقدم لنقدها ممارسات رجال الهيئة وأخطائهم بعبارات لا تخلو من المجاملة والتزييف الممجوج :إن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تمسك بأطراف ومفاصل النمو والتطور الاجتماعي الشعبي في المملكة العربية السعودية، تقوده إلى الأمام إن أحسنت أداء رسالتها وتعتقل نموه إن جانبت الصواب..!"
 فيما يُقدم تحقيق صحفي عن الهيئة بجريدة " الرياض " يتحدث عن التطوير والإصلاح المرتقب مع قدوم الرئيس الجديد بعبارة :" لا أحد ينكر أهمية جهاز الحسبة ودوره في المجتمع والنجاحات التي حققها في حفظ الضرورات الخمس " ليتم ترسيخ وتأكيد دور الهيئة كمؤسسة "حكومية "تراقب باقي المؤسسات وتتدخل في صلاحياتها وأعمالها ، وتمارس قمعها للحريات الفردية والتدخل في خصوصيات العباد !. وهكذا تهدر قيمة الفرد بصفته إنسانا فاعلا ؛ حمله الله تعالى الأمانة وزينه بالعقل وشرفه بالحرية والقدرة على الاختيار بين الخير والشر.. ليصبح مرتهناً للوصاية التي تهمين بقبضتها على كافة مناحي حياته ، وهكذا أيضا تُلغى وتهمش قيمة المسؤولية الفردية للإنسان ورقابته الذاتية على أفعاله رغم أهميتها ومحوريتها في الإسلام !..
والإشكالية الأبعد والأخطر تأثيرا تتجسد في أن جلّ تلك الكتابات تسهم في تزييف الوعي وشرذمة المجتمع وتقسيمه لفسطاطي مع وضد، وتدخله في جدليات عقيمة ؛ وذلك بتسطيح القضية واقتطاعها من السياق السياسي وزرعها في سياق اجتماعي منفصل بذاته ، مما يكرس لتحويل القضية إلى صراع مجتمعي بين حزب المعارضين وحزب المشجعين ، ونظرة واحدة على التعليقات التفاعلية لمقالة عن الهيئة تأتيك بالخبر اليقين !
أمل زاهد

   
  




Sunday, February 5, 2012

إلى متى تظل المرأة السعودية ناقصة الأهلية ؟!

إلى متى تظل المرأة السعودية ناقصة الأهلية ؟!
من العجائبيات المجافية للمنطق أن يصدر قرار ملكي يقضي للمرأة بتمثيل مكافئ للرجل في مجلس الشورى ، وإشراكها في انتخابات المجالس البلدية كمرشحة ومنتخبة ، في حين أنها لا تزال تُعامل في محاكمنا على خلفية نقص الأهلية وعدم الاعتراف بالرشد ..! كنت وكثيرات غيري نأمل أن قرارا يقضي بدخول المرأة إلى قبة الشورى والمجالس البلدية سيسهم في تهشيم الصور النمطية المتكلسة عن المرأة ، وسيساعد في اختراق الأنساق الثقافية والبنى الاجتماعية المكرسة لدونيتها ، كونه - يُفترض أن–  يضمن الاعتراف بكينونة المرأة وأهليتها الكاملة ، ويؤطر مكانتها كشريكة لأخيها الرجل في تنمية الوطن ونهضته وفي حقوق المواطنة! كما كنا نأمل أن يدعم ويتبع بحزمة من القرارات التي تساعد على تمكين المرأة والاعتراف بكمال أهليتها..، لكن حكما واحدا يبنيه بعض قضاتنا المبجلين على خلفية نقصان أهلية المرأة وعدم وصولها للرشد حتى لو بلغت من العمر عتيا- يعيدنا للمربع الأول في هذه القضية !.. فكيف تستلب امرأة راشدة من حقها في اختيار السكن مع والدتها بعد الطلاق ، ثم تحرم من عملها وتسجن ثلاثة أشهر لرفضها السكن في بيت والدها الصغير المساحة والمكتظ بأربع زوجات وما يقارب 25 طفلا ؟!..؛ وكيف تعود لتخير بين العودة للسجن أو الانتقال لبيت أبيها بعد إخراجها بكفالة حضورية ؛ رغم أن رد الاستئناف لم يصل بعد !. كما ورد في خبر " عكاظ " عدد 3874 المنشور على خلفية قضية مساعدة طبيبة الأسنان بالمدينة المنورة ، والتي قالت السجن أحب إلي مما تدعونني إليه ..؟! فيبدو أن الأب الغاضب جراء رفع ابنته قضية عضل عليه ، أراد الانتقام منها وإعادتها إلى حظيرته صاغرة وبحكم المحكمة ..!.
موجعةٌ ومؤلمةٌ قضية تلك المرأة التي لم يشفع لها علمها ولا مهنتها ، ولا ما تقدمه للمجتمع من نفع ، ولا عمرها الأربعيني ولا أمومتها من نيل حق مبدئي وبديهي كحق اختيار مقر معيشتها والمكان الذي يوفر لها الراحة والهدوء والسكينة !. والأعجب أن يصبح عملها وطبيعته وبالا عليها  ، فمحكمة التمييز التي رفضت تصديق حكم قضاة المدينة مرتين صدقته أخيراٌ بناءً على تهمة التبرج والاختلاط في مكان العمل ..! في افتئات على أنظمة الدولة التي تسمح للمرأة بالعمل في القطاع الطبي ، وفي تضارب بين أحكام القضاء وسياسات التحديث يثير الكثير من الإشكاليات والأسئلة ..!. فضلاُ على أن فتح الباب لتهم من نوعية التبرج والاختلاط ثم بناء أحكام عليها ، يطلق العنان لانتهاكات القذف وتشويه السمعة ورمي النساء بالباطل ، دون أن يؤخذ في الاعتبار جدلية مفهوم (التبرج) نفسه في المجتمع والثقافة ، وتمايزه بين بيئة مجتمعية وأخرى ، بل واختلاف الرؤى الدينية فيه ..!
من المحزن أن تتحول بعض قضايا العضل في محاكمنا  إلى قضايا عقوق تارة ، أو تهوي إلى منعطف خطير تضطر معه المرأة المتظلمة والواقع عليها فعل الجور للاختيار بين قضبان السجن ، أو العودة إلى نير ولي الأمر ( الخصم ) الذي ظلمها وعضلها عن ممارسة حقها الطبيعي تارة أخرى .! فهل من العدل والإنصاف أن تُعاد الضحية إلى جلادها ..؟! والإشكالية أن هذه النوعية من الأحكام  تشجع أولياء أمور نزعت من قلوبهم الرحمة والشفقة على الظلم والمضي قدما في ممارساته .!. فيما تساهم في تخصيب ثقافة قبول الظلم عند الطرف الآخر؛ خوفاٌ مما يمكن أن تجره تلك القضايا على المرأة  ؟!
والسؤال الملح اليوم هل ستستطيع المرأة الدفع بحلول لهذه القضايا الشائكة داخل قبة الشورى؛ في ظل محدودية صلاحيات المجلس وتسييج توصياته في أطر الاستشارية غير الملزمة ؟!
 أمل زاهد


Wednesday, January 25, 2012

أخلاقنا وأخلاقهم .. !

أخلاقنا وأخلاقهم !!
عندما سئل الشيخ محمد عبده إبان زيارته لفرنسا قبل  قرن من الزمان عن الفرق بين مصر وأوربا قال مقولته المشهورة : وجدت في أوربا إسلاما بلا مسلمين ، ووجدت في بلادي مسلمين بلا إسلام !! ولعلي لا أبالغ حين أقول أن كل من يغرب إلى أوربا أو أمريكا أو يشرق لليابان مثلا ينتابه هذا الشعور الممض ، بل سيتساءل رغما عنه : ألسنا نحن المسلمون ؟! ألسنا من يؤمن أن الحياة الدنيا ليست إلا معبرا للحياة الدائمة الخالدة ، فلماذا تنتشر السرقة والرشوة والفساد والمحسوبية عندنا ؟!  ولماذا يتفوقون علينا في الصدق والأمانة ،والحرص على آداء العمل بإتقان والتفاني فيه،  والالتزام بالمواعيد ، والشعور بالمسؤولية الاجتماعية ، والحرص على الأعمال التطوعية ؟! لابد أن تلفت نظر الزائر للغرب الممارسات الديموقراطية والمشاركة والتمثيل الشعبي في نظام الحكم ، وذلك النظام الدقيق والاستراتيجات المرسومة ببراعة والتي لا تترك مجالا للأخطاء ، والقادرة على إصلاح نفسها وتقويم آلياتها عند حدوث أي خطأ أو تقصير ! لا بد أيضا أن يقف مشدوها أمام القوانين الرادعة والقادرة على الضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه التعدي على المال العام أو ممارسة التمييز الجنسي أو العرقي ! ناهيك بالطبع عن نظام المحاسبة والمساءلة الدقيق ، ومؤسسات المجتمع المدني التي ترفد الحكومة وتساعدها في مراقبة الفساد والضبط والربط ، والمطالبة بالحقوق والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية !  
بينما المنظومة الأخلاقية برمتها مأزومة في مجتعاتنا كما هو خطابنا الثقافي والاجتماعي والديني ، وحتى جانب الالتزام الأخلاقي في العلاقات بين الجنسين – وهو ما نباهي به كثيرا – ويفترض أن نتفوق فيه على الغرب ، ليس إلا بنيانا هشا يقوم على النفاق والازدواجية والخوف من العيب والعار والشنار ، أكثر مما يقوم على الالتزام الأخلاقي  القائم على التقوى والخوف من الخالق سبحانه وتعالى ـ والرغبة الاختيارية في تحقيق قيم الفضيلة ! فضبط الأخلاق المتعلقة بالجانب الجنسي قائم على الوصاية والتجسس أكثر مما يقوم على تعميق شعور المرء بمسؤوليته الفردية ، لذا - كثيرا وليس دائما - ما تنحرف تلك الأخلاق عن مسارها القويم عند أول تجربة تضعها على المحك حينما تبتعد عن الوصاية !  أو قد تتحايل على الوصاية وتمارس في الخفاء ما تستهجنه في العلن ، فتنتشر في المجتمع أنكى الأمراض الأخلاقية وأبشعها من وراء الستائر المغلقة  !
محاربة الفساد منظومة أخلاقية متكاملة لا تتجزأ ، فأبشع أنواع الفساد هي التي تؤدي لقتل الأرواح ، فمن أحيا نفسا كأنما أحيا الناس جميعا ومن قتلها فكأنما قتل الناس جميعا !  والفساد الذي يستلب الانسان ماله وحقوقه وكرامته سيؤدي حتما لفساد من نوع آخر، فالفقر يصيب المجتمع بكافة الشرور والأدواء بداية بالسرقة وليس نهاية بالانحراف والبحث عن لقمة العيش بين مستنقعات الرذيلة . ولا تعني أولوية محاربة الفساد المالي والإداري عدم الاكتراث بالفساد المتعلق بالأعراض كما يحاول البعض تحميل الكلام ما لا يمكن أن يحتمله !
محاربة الفساد تبدأ دوما من الأعلى إلى الأسفل ومن رأس الهرم حتى قاعدته وإلا فعلينا وعلى مجتمعاتنا السلام !
أمل زاهد

Saturday, January 7, 2012

حينما يصبح الموت أليفا !


حينما يصبح الموت أليفا !
تستعصي عليّ الحروف وتهجرني الكلمات منذ رحلت .. ! يتحشرج قلمي هنا أو هناك .. في أي مكان أحاول فيه ممارسة شخبطاتي يتحشرج ..!. يتوقف القلم .. تلهث أنفاسه صعودا وهبوطا .. تلتصق الحروف في حنجرته .. عبثا أحاول الصراخ علّه يلفظ ما في داخلي .. علّه يتنهدُ آلامي .. علّه يتنفس أوجاع فقدي لك  ..عبثأ أحاول الكتابة ولكن الكلمات تظل تراوغني وتختبئ في مكان قصي بعيداً عني ..!ولا أدري حقيقة هل أنا من أراوغ الكلمات أم أنها هي من تراوغني ؟! هل أؤجل عملية التشافي بالكتابة .. وأنا أعلم أنها هي فقط من يستطيع بلسمة جروحي ؟! ألم أكابد كثيرا كثيرا أوجاع فقدك وأنا أتجرع حضورك الغائب لسبع سنوات على التوالي ، دون أن تقوى كلماتي على استنشاق أنفاسها خارجي..؟!  ألم أكابد أوجاعي وقلمي مصابٌ بالخرس والشلل والبكم إذا ما حضرت ولم تحضر ..  أو إذا ما تنفست الأعياد ومناسبات العائلة  ذكراك وعبقك الحميم .. ثم لا تحضر إلا بغيابك القاتل الموجع   .!.. ألم أردد طويلا مع فيروز : تعا ولا تجي واكدب عليا .. الكدبة مش خطيه .. وتعا ولا تجي .. ولكن حتى الكدبه كانت عصية يا أبي ..!
ما بالي اليوم ألفظ كل هذا الوجع المحتبس وأنا التي زعمت أنني تصالحت مع فكرة رحيلك وقد رأيت الفناء يصول ويجول في جسدك الذاوي طويلا طويلا .. ما بالي اليوم أتنفس إنكارا ورفضا لرحيلك وأنا التي قاربت آلامك وآهاتك وامتلأت بها حتى الثمالة ؟!  قلت لمن حولي يوم رحلت أن الموت أضحى أليفا .. أعلنت صحبتي للموت صاخبةً عاليةً على الملأ يوم رحلت ..! نعم شعرت بألفة الموت وهو يقترب مني ويصافحني حد الوصول إليك يا جزءا من ذاتي .. ! قربي منه  وقربه مني في شخصك الحبيب أشعرني أنه اقتلع مخالبه وخلع عنه هيبته وهو يحطُ على جسدك  ..  نعم لقد ربّتُ  أنا على كتفي الموت ، وربّت هو الآخر على كتفيّ يوم رحلت .. لم أبال باقترابه وهبوطه ..  واصطدام أنفاسي بأنفاسه ..!.
لم أخشاه ولم أهابه .. بل لامسته .. اقتربت منه .. شعرت بأنفاس الموت وهي تطوف بالمكان وتطوقه من كل جانب .. لم أشعر بوحشيتها أو برودتها أو عريها من الحياة أو من أنس تدفق الحرارة داخلك ..! وكيف لي أن أشعر بوحشة الموت وبرودته وقد سكن جسدك الحبيب  يا أبي ؟! كيف لي أن أشعر بهيبته وقد أضحيت أنا الأخرى جزءا من هذا الموت الأليف  .. منجدلة معه ومتداخلة فيه ؟! توحدت مع الموت في جسدك حد الأنس به والامتزاج بجزيئاته والائتلاف معه .. هكذا أضحى الموت أليفا وأنت تعبر للحياة الأخرى ..! هكذا صحبته وصحبني واختلطت أنفاسنا معا  وأنت تغادر  دنيانا الفانية ..!
فجأة  .. شعرت بجناحيه يرفرفان ويقتربان  .. شيء ما قفز داخلي .. شيء ما صعد وهبط في أعماقي منبئا أن ساعة الرحيل قد أزفت ..! رميت بكأس الشاي جانبا .. وقفزت لا ألوي علي شيء لأكون إلى جانبك وأنت تعبر وتولد في حياة أخرى .. اصطدمت عيناي بوجهك الأبيض الشاحب وشفتيك وهما تنفحتان وتنغلقان .. رحت ألقنك الشهادتين مرةً بعد مرة .. بينما شفتاك تنغلقان وتنفتحان ..  صرخت بهم أن تعالوا .. ثم بلمح البصر وما بين غمضة عين وانتباهتها .. انسلت روحك كالنسمة الناعمة على مشهد منا جميعا .. مال رأسك وانغلقت شفتاك وغمضت عيناك وغادرت الحياة جسدك .. بهدوء وسلام غادرت .. ولكنك لم تغادر .. ولكنك أبدا لن تغادر ..!
 كيف لا يصبح الموت أليفا وقد انضممت  أنت يا أرحم الآباء إلى قافلته ؟! وكيف لا يصبح أليفا وهو وسيلة التلاقي حينما يعز اللقاء ؟!
 أمل زاهد