من أبرز مظاهر تكريس دونية المرأة في ثقافتنا هو وصفها بأنها أحبولة الشيطان ومصدر الفتنة والغواية ، بل هي الفتنة متحركة على قدمين ولا هم لها أو هاجسا إلا إغواء الرجل ونصب الفخاخ لتوقعه في مكائدها،ولتعزيز وتكريس تلك النظرة يتم استدعاء الأمثال الشعبية المؤكدة والمكرسة لفكرة الفتنة والإغواء ، ولا تنس عزيزي الرجل أن تعسة أعشار المرأة دهاء والعشر الأخير بلاء !! وأن تملصت من بين يدي الأمثال الشعبية، ستخرج لك الثقافة بعض الأساطير أو الحكايات الشعبية من مخابئها في دهاليز الموروث الثقافي لتنشط جهازك المناعي ضد المرأة (الفتنة) ، أو تستحضر لك حكايا حقيقية أو مختلقة لبعض نماذج النساء الغاويات المغويات لتعزز من قوتك اللوجستية .. في تجاهل مقصود لنماذج الرجال البارعين والمتمرسين في إغواء النساء ، وفي تغاضي تام عن الطبيعة البشرية ونوازعها المجبولة على الصراع بين الخير والشر عند الرجل والمرأة على حد سواء ، قال تعالى : (ونفس وماسواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) دون تخصيص لجنس دون الآخر !
يتغافل ذات الخطاب أيضا عن أن الرجل هو أيضا فتنة للمرأة وكما يفتتن بجمالها من الممكن أن تتفتن هي بوسامته ، وقصة سيدنا يوسف مع امرأة العزيز في سورة يوسف خير دليل على ذلك الافتتان ! كما أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه نفى نصر بن حجاج الذي اشتهر بالوسامة من المدينة المنورة لافتتان النساء به ، عندما تناهى إلى مسامع عمر بن الخطاب رضي الله عنه قصيدة نظمتها إحداهن تتمنى فيه وصله !
يقول الإمام المجدد محمد عبده في أعماله الكاملة إن كل الكتابات التي كانت تلح على ضرورة الحجاب- الحجاب هنا بمعنى تغطية الوجه - في عصره ركزت على خوف الفتنة ، فهو أمر يتعلق بقلوب الخائفين من الرجال ، وعلى من يخاف الفتنة منهم أن يغض بصره. ويضيف أن آية غض البصر تتوجه إلى الرجال والنساء وأن المرأة "ليست بأولى من الرجل بتغطية وجهها. ويتساءل : عجبا !! لم يؤمر الرجال بالتبرقع وستر وجوههم عن النساء إذا خافوا الفتنة عليهن ؟! هل اعتبرت عزيمة الرجل أضعف من عزيمة المرأة ؟! واعتبر الرجل أعجز من المرأة عن ضبط نفسه والحكم على هواه ؟!.واعتبرت المرأة أقوى منه في ذلك حتى أبيح للرجال أن يكشفوا وجوههم لأعين النساء مهما كان لهم من الحسن والجمال ؟!!)
أمر الله تعالى الرجال والنساء على حد سواء بغض البصر في دلالة بليغة من لدن الحكيم الخبير على المساواة بين الجنسين حتى في احتمالية الوقوع في الفتنة ، والتهذيب القرآني يدعو إلى تزكية النفوس وتقويمها ، وتربية الضمائر وتنقية القلوب للجنسين .. فالمرأة ليست وحدها الفتنة كما تؤكد الثقافة السائدة ولكن الرجل فتنة أيضا !!
أمل زاهد
No comments:
Post a Comment