http://www.almqaal.com/?p=778
الصحافة السعودية في غرفة الإنعاش .. !
بينما يرتفع سقف حرية التعبير عاليا في المنابر الالكترونية الحرة ومواقع التواصل الاجتماعي ، ليتيح للأقلام التنفس بصوت عال وممارسة النقد بشفافية وشجاعة ، ومقاربة قضايا إشكالية حساسة بجرأة وصراحة - نحن أحوج ما نكون لها اليوم - ، يكاد يجثم ذلك السقف على انفاس الأقلام في الصحافة الورقية مانعا عنها الهواء والنور ، ليجبر الكاتب على التحرك في مسارات محددة لا يحيد عنها ولا يميل والا نبذته الصحافة ولفظت به بعيدا عن بلاطها .. ! وكل من كتب ويكتب في صحافتنا يعلم تمام العلم أنه يمشي في حقل من الألغام لا يعلم متى تميد به الأرض ، أو متى تخرج له أثقالها .. ؟! والمتأمل للمشهد الاعلامي الصحافي والراصد لحركته وسيرورته سيلاحظ ان العلاقة عكسية ما بين حرية التعبير الالكترونية ونظيرتها الورقية ، فذلك الانفتاح الذي يشق عنان الفضاءات الالكترونية مشخصا ومحللا وناقدا ومفككا للمقولات النمطية والأساطير الوهمية ؛ يقابله على الورق تحفظا وانغلاقا وتجاهلا وتغييبا للكثير من القضايا الهامة التي تشغل الرأي العام السعودي .. ، رغم ان زمان الصمت قد ولى الى غير رجعة في ظل سماوات تتمدد بوسع المدى الالكتروني الشاسع الذي لا تحده عوائق جغرافية ولا تسيجه حدود رقابية ..! وفي مجتمع شاب رضع استخدام وسائل الاتصالات الحديثة مع أول لثغاته وخطواته يبدو مستقبل الصحافة الورقية مهددا بالانقراض المبكر جداً ؛ والسابق حتى لتوقعات الخبراء والمختصين ..! فالمتلقي ، الذي ساعده تعدد الروافد الاعلامية واختلافها وتمايز توجهاتها على الفرز والتمحيص و امتلاك آليات نقد الخطاب الاعلامي وتفكيك مفرادته ورصد مواطن الضعف والخلل فيه ، يفقد ثقته بالصحافة الورقية التي تستخف بعقله شيئا فشيئا .. ، حتى أصبحت السخرية اللاذعة واللغة التهكمية هي السمة الأبرز للإعلام التفاعلي - سواء في بعض مواقع الصحف الرسمية أو في مواقع التواصل الاجتماعي - على تلك النوعية من الاخبار والمقالات السادرة في الاستهانة بذكاء القاريء وقدرته على قراءة ما ورائياتها ..! وفيما تغيب قضية اعتقال فريق عمل البرنامج " اليوتيوبي " " ملعوب علينا " عن الصحافة الورقية ولا نكاد نسمع لها ركزا ، تكاد مواقع التواصل الاجتماعي أن تتفجر من فرط التفاعل والتعاطف مع " فراس بقنه " وصحبه الذين كانت جريمتهم أن عشقوا وطنهم وأحبوه وتفاعلوا مع هموم الناس وشجونهم .. ! وفيما يتورط بعض الخطاب الصحافي في شرذمة المجتمع وإشعال الصراعات وممارسات الإلهاء بالدفع بالقضايا الهامشية الى الواجهة ، ولا يتورع بعضه الآخر عن استخدام مفردات " طائفية " تذكي الفتن وتؤجج الأحقاد تارة ، ولا يرى ثالث بأسا في التردي لمحاولات فجة ومكشوفة للتضليل وتزييف الوعي بتزيين وتحسين صورة العدو الاسرائيلي الغاشم وتصويره على أنه حمل وديع تارة أخرى ، يتنامى وعي المتلقي وينضج ليتناول بمشرط السخرية اللاذعة وسلاح ( الهاش تاق ) الماضي تلك المقالة الصحفية مشرحا أفكارها ومفندا تناقضاتها وموضحا وكاشفا مغلاطاتها ..! وإن كانت محاولات تزييف الوعي الساذجة مقدورا عليها ومن السهل كشف عوارها ورصد مواطن ضعفها ، الا أن الخطورة في الأخرى الملعوبة بحرفية عالية والتي يتم فيها تخدير وعي المتلقي بايراد بعض المعلومات الصحيحة المشفوعة بتحليل تحايلي ذكي ، ليتم بعدها لي عنق الحقائق وحقن وعي القاريء وتوجيهه ، وهنا يصبح من لزوم ما يلزم على الأقلام الحرة الشريفة تسليط مجهر النقد على هذه المحاولات وتفكيك مفرداتها .
الراصد للصحافة السعودية لابد أن يلاحظ أيضاً انحدار خطاب بعض الصحف للمناطقية وإثارة النعرات ، ناهيك عن العنصرية المقيتة والشوفينية والاستعلاء على الإخوة العرب ؛ فيما لا يجد حرجا من التعميم والغمط والخلط واستخدام لغة حافلة بالإثارة والفجاجة .. متضمنة ايحاءات تنتقص وتحقر جنسية عربية معينة مخالفا بذلك أبجديات المهنية الصحفية .. ! فيما تهبط بعض الصحف الى نشر مقالات " شخصنة " فجة و هابطة تنحدر فيها اللغة الى التبخيس والانتقاص والمعايرة بالشكل بعيدا عن مناقشة الفكر او مقارعة الحجة بالحجة .. ! وفي استخفاف تام بالمتلقي وعدم اكتراث بالمهنية الصحفية ولا المصداقية يخرج علينا كاتب عمود يومي بمقالة مليئة بالمغالطات ، ينال فيها من الصحفية اليمنية المناضلة الفائزة بجائزة نوبل للسلام " توكل كرمان " دون أن يكلف نفسه عناء التحقق عما اقترفه قلمه بحقها ..،! وعندما يحاصره الاعلام التفاعلي ويطالبه القراء بالاعتذار ، يتفتق ذكاءه عن مقالة اعتذار تتضخم فيها الأنا ويعلو فيها صوت النرجسية صاخبا فوق كل صوت .. !
لا يبدو مستقبل الصحافة الورقية مبشرا بالخير في ظل تزايد وتكاثر الخطوط الحمراء والمحظورات السياسية ، وعدم استقلالية المؤسسات الصحفية وفشلها في مواكبة الاعلام الجديد والارتفاع لمقاييسه في الجرأة والشفافية ، ناهيك عن خضوعها لديكتاتورية الرقيب الصارمة المسلطة أبدا على أسنة الأقلام .
كل المعطيات وواقع الحال يقول بعالي الصوت أن صحافتنا اليوم تمر بحالة وفاة دماغية وتعيش على الأجهزة داخل غرفة الإنعاش ، ويكفي أن مقولة مثقفنا الكبير الراحل " عبد الله عبد الجبار " قبل نيف وخمسين سنة لا تزال تنطبق عليها ، حيث قال : " صحافتنا اليوم أمرها عجب بين صحف العالم ، فهي ليست صحافة خبر ، وهي كذلك ليست صحافة رأي ، فالخبر يمنعه الرقيب الصغير والرأي يقتله الرقيب الكبير ، الا ما كان من رأي أو خبر يتفق مع مصلحة الحاكمين .. "
أمل زاهد
Thursday, October 27, 2011
Sunday, October 9, 2011
حتى يؤتي حراك المرأة السعودية أكله ..!
http://www.almqaal.com/?p=545
يبدو أنه في خضم الفرحة العارمة بالقرار الملكي القاضي بتمكين المرأة من تمثيل مكافيء للرجل في مجلس الشورى والمجالس البلدية ، نسيت المرأة أن هناك جبالا عاتية من العوائق والموانع لا تزال تقف في وجهها لتمنعها من ممارسة حقوق مبدئية وبديهية كحق التعليم والعمل – على سبيل المثال - دون موافقة ولي الأمر .. ! ، إلى حقوق كثيرة مستلبة لا زالت تجعل من العادات والقيم المجتمعية البالية الحاكم بأمره في حياة المرأة السعودية ..! ولعلّ الحكم – المنقوض- بجلد ميساء جستنيه جزاءا وفاقا على قيادتها للسيارة ؛ ومحاكمة نجلاء حريري المقررة الشهر القادم لذات السبب تعيد المرأة السعودية إلى واقعها المرير والمأساوي ، وتقرع الجرس قائلة لها أنه يتعين عليها النحت في الصخر والمشي في طريق طويل مليء بالأشواك لتنال أبسط حقوقها ، كحق التنقل بعربتها على سبيل المثال .. !
وهنا أؤكد تثميني للقرار الملكي - وما يفترض – أن يضمنه من اعتراف بكينونة المرأة وأهليتها الكاملة وأهمية دورها في تنمية الوطن ونهضته . ولكن رغم فرحي وابتهاجي به ، إلا أن مكتسباته – في تقديري - ثقافية محضة لا تنعكس على الواقع الآني للشريحة الأكبر من النساء في المملكة واللاتي يذقن الأمرين في حياتهن اليومية ..! ورغم قناعتي أن قرارا كهذا سيساهم في كسر طوق نقص الأهلية الذي عانت ولا تزال تعاني منه المرأة السعودية ، إلا أنه لا بد أن يدعم بمجموعة من القرارات التي تساعد على تمكين المرأة وإلا سيظل مبتورا وناقص الفاعلية .. ولن يجبّ ما قبله من القرارات كما افترضت وتمنت الزميلة بدرية البشر في حوارها على الحرة !
ورغم أهمية مكتسبات هذا القرار في تهشيم الصورة النمطية المتكلسة عن المرأة ، وفي اختراق الأنساق الثقافية التي تكرس دونية المرأة وتحقرها وتفتئت على مكانتها في الإسلام ، إلا أن ثمرته – الثقافية- لن تؤتي أكلها إلا بالعمل الجاد على تجديد الخطاب الديني الثقافي ، والخطاب التعليمي والإعلامي فيما يخص المرأة ، والإشتغال على تفكيك البنى الثقافية المكرسة لدونية المرأة على كافة المستويات ..! فلا زالت مشاركة المرأة تثير قضايا من نوعية الصورة المرافقة للحملة الانتخابية ووجوب حجبها أو جواز كشفها ، ووضعها في طابق منفصل بعيدا عن زملائها الرجال في مجلس الشورى .. ؛ أي أننا لا نزال ندور في أفلاك قضايا تجاوزها الزمن ، وحسمت في كافة بلاد المسلمين ..! فالمرأة في النسق الثقافي السعودي -ذي الخصوصية الخاصة جدا- لم تخرج عن نطاق " التشييء" ، والرؤية التي تحشرها في خانة العورة وإثارة الفتن ما ظهر منها وما بطن .. والافتئات على إنسانيتها لحساب أنوثتها حتى وهي تلج قبة الشورى وتقتحم المجالس البلدية .. ! وفيما لا تزال هذه القضايا الجدلية الخاصة بالمرأة وكيفية مشاركتها في الحياة العامة هي المهيمنة والطاغية على المشهد السعودي والأكثر إثارة للجدل والكر والفر .. ، تتوارى قضايا الفساد المالي والإداري ، والفقر المدقع وغياب المشاركة الشعبية الحقيقية لصالح هذه المعارك التي تساهم في خلق المزيد من التشرذمات والانقسامات .. !
وهنا لابد من التأكيد على أن هذا الابتهاج النسوي – المشروع – لا يجب أن يُنسي المرأة أن قضيتها هي قضية الانسان المقموع والمقهور والمهضوم الحقوق رجلا كان أو امرأة ، مما يثير التعجب والاستنكار من ردود الأفعال المتشنجة التي تصل للصراخ النسوي ضد أي صوت يتساءل عن مدى فاعلية المجالس البلدية ، أو يؤكد على أهمية انتخاب اعضاء مجلس الشورى أو يقرر واقع أن دور المجلس لا يزال محبوسا في أطر الإستشارية غير الملزمة ولم يخرج بعد لرحاب الدور التشريعي..! وهنا لا بد أن ترتفع أصابع الاتهام بالذكورية وملحقاتها من النعوت في وجه أي رجل يجرؤ على إثارة علامات الاستفهام – التي أراها مشروعة جدا – ليصور على أنه الوحش القادم من أدغال "الذكورية " ليغتال الفرح والابتهاج "النسوي " بالقرار الملكي ومكتسباته .. !
لا شك أن صوت مطالب المرأة بحقوقها المستلبة هو الأعلى نبرة والأكثر حضورا وفاعلية اليوم في مشهدنا السعودي ، ولا شك أن المرأة السعودية اليوم تحصد ثمار مجهوداتها ومطالباتها الدؤوبة .. ، ولكن عليها أن لا تنزلق إلى مهاوي معارك جانبية تضعف قضيتها وتشرذمها ، وتجعلها تنقسم على ذاتها في صورة انقسامها على شريكها الرجل الذي يزال يحلم بالمشاركة الفاعلة في صناعة القرار في الشؤون التي تمس حياته ومصيره .. ! وهنا لا بد من الوعي بأن المرأة لن تجني ثمرة نضالها وكفاحها ما لم تخرج من أطر الفئوية الضيقة إلى آفاق أكثر اتساعا تجعل من قضيتها قضية الانسان المهضوم الحقوق .. بشقيه !!
وحتى لا يجهض الحراك النسوي الذي شهدنا تبرعمه وقطفنا أولى ثماره على الناشطات في مجال حقوق المرأة أن يعين دروس المرحلة وأننا لا نزال بعد في بداية طريق طويل وشائك .. ، فضلا أننا لا نزال بعيدين – رجالا ونساءً - عن المشاركة الشعبية الحقيقية في صناعة القرار !
أمل زاهد
Saturday, September 10, 2011
الرجل المكلل بالبياض \ قصة قصيرة
الرجل المكلل بالبياض
لم أتخيله يوما إلا مكللا بالبياض .. من رأسه حتى أخمص قدميه متسربلاً ومتلفعا باللون الأبيض..لم أتصور يوما أنه من الممكن أن يرتدي لونا غير الأبيض حتى وهبات رياح الشتاء الباردة تعصف بأزقة المدينة المنورة وأحيائها المستلقية في حضن أمان .. أخال الزمن قد راح وتركه على أعتاب المدينة القديمة ..
عيناه الزرقاوان الغائرتان في محجر عينيه تطالعان الدنيا بسلام يقطر من حواشيها فيصب دفئا وحميمة على كل من تقع ، وما تقع عليه عيناه .. تسيجهما تلك النظارة الرفيعة الإطار والواقفة بخشوع على عظمة أنفه .. لتكسو ملامحه المتناسقة بمظهر ارستقراطي باذخ .
كفاه الكبيرتان المبطنتان تربتان على رؤوس الأطفال المتحلقين حوله ، ثم ما تلبث يده اليمنى أن تندس في جيب ثوبه لتوزع عليهم الحلوى ..
تستطيل خصلات شعري القصير لتنجدل في ضفائر طويلة بطول حياتي الماضية ، ملفوفة على بعضها ومنجدلة بعضها فوق بعض ،، تنحني وتلتف كما التفت انحناءات حياتي لـتأخذني مرة إلى ذات مأزق أو لتقذف بي أخرى في جوف منفى يبلعني في غياهب ظلماته ..
ولكنني كنت دائما أعود.. دائما كنت أعود
كنت أعود لأجد العم عمر لا يزال مكللا بالبياض
ولا تزال جيوبه مملؤة بالحلوى .. لا يزال يرتدي عمامته البيضاء كقبة النور ،، لا يزال يمشي في أعطاف باب الشامي .. ولا يزال سديريه يشع بياضا بينما تبرق تركيبة الأزرار الفضية من تحت سديريه وهي تغلق فتحة ثوبه .. و تتدلى السلسلة الفضية التي تربط ساعته الدائرية والمختبئة دائما في جيب ثوبه الأيمن العلوي !
نعم دائما كان العم عمر هناك لا يعترف بمرور الزمان ولا بمسح أحياء كاملة من وسط المدينة !!
دائما كان هناك بعينيه الهادئتين ونظرته الواثقة الوديعة .. وأشعة القداسة تحيط به وتسربله .. وكأنه قادم لتوه من الجنة كي يمنح أهل الدنيا بعضا من كراماته ونفحاته !
تهدهدني نظراته من بعيد .. تلح نظرته أن أقبل وأخذ نصيبي من الحلوى ولكن كبريائي يمنعني أن أمد يدي .. أتخيل الحلوى وهي تذوب في فمي واستشعر طعمها اللذيذ ولكني أبدا لا أقترب !
ينفض المولد .. فأقترب منه .. يمسح شعري بيديه الحانتين ويقول لقد احتفظت لك بنصيبك من الحلوى .. علمت أنك لن تأتي حتى ينصرفوا ..
في تلك السن الصغيرة وقعت في هوى الأيدي الكبيرة المبطنة .. والحنان المنبعث من أطرافها .. وبدا لي العم عمر مستودعا للأمان قادر دائما على منحه لي بمجرد استحضار صورته .. حتى عندما تلح خيالات أمنا ( الغوله) المرعبة المتسللة من الحكايات أو عندما يعبث صفير الريح بقلبي الصغير وأنا أنكمش تحت لحافي !
أراقبه وهو يسير ويرفع كل حجر يراه مرميا على قارعة الطريق .. أرفع له عينين مندهشتين تحبلان بالأسئلة ، يجيبني بنبرات هادئة : إماطة الأذى عن الطريق صدقة !!
ثم يواصل طريقه إلى الحرم بخطوات هادئة ونظراته المتأملة تعانق الكون وتحتوي كل تفاصيله .. كنت أتمنى دائما أن أستبقيه ليقطر علي من شهد حديثه ، لتأخذني كلماته لأماكن لم أشاهدها من قبل ، ليلقي عليّ بأسئلته بينما يسد فمي بأطراف أصابعه حتى لا أجيبه بسرعة قائلا أنه يريدني أن أفكر كثيرا قبل الإجابة ..
فقط أريدك أن تفكري يردف قائلا !
تمنيت طويلا أن أتشبث به ليبقى ولكن خجلي وخوفي من الرفض كان يكبلني .. كما كنت أعلم أنني من المستحيل أن أرافقه للحرم فالإناث حتى لو كن طفلات لا يصلين مع الرجال ..
كنت أراقب طيفه وهو يروح ويخليني وحسرة تملأ نفسي .. حسرة لاذعة مسكونة باستسلام تام لقدري !!
لم أكن أحب حلواه بقدر ما كنت أحب الشعور بالأمان الذي يسري في جسدي كله حال رؤيتي له والبياض يكلل كل شيء فيه .. وبقدر ما كنت أحب أحاديثه التي كان يخصني بها من دون كل الأطفال الذين يلتفون حوله بمجرد خروجه من منزله ..
تمنيت طويلا أن يتمكن العم عمر من الاختباء من درب الأعمار كما تقول فيروز ،
ليظل يهطل عليّ أمانا وحبا .. سكينة وطمأنينة .. لأشعر على الأقل أن هناك ما هو قوي وثابت في هذه الحياة !!
ولكن الاختباء من درب الأعمار كذبة .. كذبة مجدولة بالحلم تستمد بقائها ومصداقيتها من كلمات أغنية .. تهرب الكذبة لتندس في ثنايا أغنية .. فنحلق نحن معها في لحظات حالمة منفلتة من عجلتي الزمان والمكان ..
ما أكذب الأغاني !!
عدت من إحدى رحلاتي يوما لأجد درب الأعمار قد ابتلع العم عمر ..
ابتلع درب الأعمار العم عمر كما ابتلعت التوسعة باب المجيدي من قبل
راح الرجل المكلل بالبياض ..
وعبثا أحاول استحضار الشعور الذي تمنحني إياه يداه الكبيرتان المبطنتان بالأمان !!
أمل زاهد
Saturday, July 30, 2011
أخلاق الرجال وأخلاق النساء ..!
أخلاق الرجال وأخلاق النساء .. !
يرتبط جنس الرجال دوما في ثقافتنا بقيم كالشجاعة والمروءة والقوة والحسم والعزم والشهامة والصبر إلى آخر قائمة القيم الأخلاقية الفاضلة ، بينما يرتبط جنس المرأة دوما بالضعف والجبن وقلة المروءة والخيانة ونكران المعروف والتردد وعدم القدرة على اتخاذ القرار ، لتلتصق تلك القيم باللاوعي الجمعي وتصبح جزءا منه من الصعوبة التخلص منها ! فيقال للفتى على سبيل المثال ( خليك رجال ) أو البكا للنسوان أو ( أنت حرمة ؟!) في استفهام انكاري محمل بدلالات تحقيرية تحط من شأن المرأة ، في ذات الوقت الذي تفرض على الرجل التعالي على بشريته فالبكاء محرم على الرجال .. !
وتقيدنا جميعنا هذه الثقافة بأصفادها لنقع في زلات اللسان فقد تقول إحدانا لطفلها دون وعي منها ( لا تبك خليك رجال ) .. ! وقد توصف المرأة من رجال يؤمنون بعدالة قضيتها – دون وعي منهم – بالرجولة إذا ما أرادوا امتداحها فيقول أحدهم : امرأة أرجل من الرجال ! وتعبر زلات اللسان الخارجة من مكامن اللاوعي عن أزمة عميقة في عقلنا الجمعي ترفع من قدر الرجولة وتحط دوما من قدر الأنوثة حتى عند النساء أنفسهن، أو عند رجال مستنيرين يدعمون قضيتها .. !
وموروثنا الثقافي يتهدل بقصص وحكايا تكرس لهذه النظرة المنتقصة من الأنوثة ، وكتاب ألف ليلة وليلة على سبيل المثال حافل بهذه الحكايا ! .. ويرتبط الكيد والمكر فيه بالنساء والحب والجنس والفتنة ، مما يدل على تغلغل تفسير الاسرائليات عن قصة خروج الإنسان من الجنة – وليس تفسير القرآن- في نفوس العرب في تلك الأزمنة ! .. وسنجد في تلك القصص شبيهات حواء التي أخرجت آدم من الجنة ، وتعكس كثير من هذه القصص ارتباط الفتنة عند العرب بالقوة والايجابية في المرأة .
بل كثيرا ما تختطف قصة من التراث أو من الواقع الاجتماعي تعبر عن حالة فردية ، ليتم تعميمها على جنس النساء برمته لتكريس صفة نكران الجميل أو الضعف عند المرأة أو التردد وعدم القدرة على إتخاذ القرار ! .. وكثيرا ما يساء فهم نص ديني ، أو يختطف نص آخر من سياقاته التاريخية والسردية والسجالية ، ويقتطع من أسباب نزوله لتعمم به صفات الضعف ونقص العقل والجحود على جنس النساء بأكمله ، ويتم تجاهل النصوص التأسيسة في القرآن والسنة والتي ساوت بين الرجل والمرأة في التكليف والثواب والعقاب والدوافع السلوكية، فكلاهما بشر أفلح إن زكى نفسه ، وخاب إن دساها !
لنفكك هذه النظرة التحقيرية الملتبسة بالمرأة ونخرجها من مكامن اللاوعي، فهي لا تفتئت فقط على إنسانية المرأة وكمال صنع الله فيها ، بل كثيرا ما تعيقها عن أداء دورها في الحياة .. !
أمل زاهد
Thursday, July 28, 2011
خلع .. قصة قصيرة
خَلع....
أدار الطبيب وجهه قائلا لها : لا بد مما ليس منه بد ، سأضطر لخلع الضرس !!
رمقته بعينين مذعورتين بينما ترقرقت دموعها في مآقيها وتمتمت بصوت خفيض لم يسمعه أحد إلا ذاتها المنهكة حد الاعياء : لا بد مما ليس منه بد !!
ألا يكفيها الخلع الآخر الذي يحفر في أعماقها .. ألا تكفيها محاولة اقتلاعه من جذور نفسها والتي تخالها مستمرة منذ الأزل وإن كانت بعد لا تزال عصية على التحقيق .. حتى تقذف في وجهها الدنيا بضرورة خلع ضرسها والذي حسبته قويا صلدا واقفا في وجه عوامل التعرية وأنواء الزمن !!
فتحت فاها إلى أقصاه بينما راح الطبيب المكمّم يعيث ذهابا وإيابا بأدواته في أسنانها ، ثم خدرها في كل نواحي خدها الأيسر . شعرت بوجهها يتورم ويتورم وكأنها تنوء بثقل خدها ..ثم ما لبثت أن شعرت بخدر ثقيل يشل نصفها الأيسر كله ..
تساءلت في نفسها ساخرة متهكمة : وهل يكون إلا في الجانب الأيسر .. ذلك الخافق التعب ، الذي تشعر بتورمه هو الآخر وكأنه تمدد في جوانب جسدها فلم تعد تشعر بعضو آخر من أعضائها غيره ، فباتت هي ذاتها قلبّ متورم ينوء بأوجاعه .. مثقلّ بأحماله .. منهك ٌ بكل ذلك الكم من العروق الدقيقة التي تضخ دما ساخنا .. دما متوجعا يدفق في عروقها آنات العذاب ويصهل داخلها بآهات الألم .. كم هو مثير للدهشة والاستغراب أن أغشية الفم هي الأخرى رقيقة ناعمة كما أغشية قلبها الذي ترى الظروف والبراعم الصغيرة تعبث بهم .. كما يعبث الطبيب بأغشية فمها الرقيقة وهو يحقنها بالمخدر..
يسدد لها الطبيب نظرة توحي لها أن قد أزفت الآزفة !!
يحاول الابتسام مهدئا روعها ، رباه لم تشعربالألم كما تشعر به اليوم !! وهي القوية الصلبة التي لا يهتز لها رمش ولايتحرك لها ساكن حتى وهي في أقصى لحظات ألمها !! لماذا تشعر أنها فقدت قدرتها على تحمل الألم .. هل الخلع مؤلم لهذه الدرجة ؟! ولماذا تشعر أن اقتلاع جزء من أعضائها يثير شجنها لهذه الدرجة ، ويحرك أوجاعها التي لا تفتأ تخدرها كلما شعرت بنبضها وبرغبتها في الانبثاق والتوالد من أعمق ثنايا روحها ؟! ولماذا تشعر فجأة أن هذا الضرس بالذات عزيزٌ عليها ، وأنها ترفض خلعه مهما كان به من آلام ومهما نخرته من أوجاع .. مهما نز ونبض مانعا الكرى عن عينيها وسارقا النوم من جفنيها .. تشعربدموعها تتجمع في محجريها ، تضغط بأطراف يدها اليسرى على طرف الكرسي الأسود الجلدي الطويل والذي أماله الطبيب كي يتمكن من تنفيذ مهمته ..
ندت عنها صرخة حاولت كتمانها استدرت عطف الطبيب فتوقف عن الحفر بينما امتدت يد الممرضة تسند كفها الطليقة الأخرى ..
سمعت صوت الطبيب وهو يحاول الكلام من خلف كمامته ، فهمت بصعوبة كلماته التي قالها لها : الضرس متشبث يضرب بجذوره في أعماق اللثة ، يبدو ظاهر الضرس ضعيفا هشا ولكن الجذر ثابت وقوي .. ماذا فعلت حتى كسرت قشرته الظاهرية ؟!سنحتاج إلى المزيد من المخدر!!
رباه .. المزيد من المخدر والمزيد من الورم !! غثيان شديد يمتلكها يقلب معدتها .. وصداع يكاد يفجر رأسها ، وتعب أشد ينهش كل قطعة منها .. تشعر بروحها وهي تئن بين جنبيها ..
ينتظر الطبيب قليلا ليعاود مهمته الصعبة بعد أن تأكد من شدة مفعول المخدر .
تشعرأنها باتت وجها متورما متضخما .. وقلبا متورما وإن كان أكثرتورما وأشد تضخما !! وروحا معذبة تنوء بآلامها ، تريد فقط أن تفر من كل هذا .. أن تنسى الخلع والاقتلاع ، أن تحتفظ بذلك الضرس حتى لو كان مريضا .. يعز عليها أن تفقد جزءا منها .. يعز عليها أن تفقده .. يعز عليها أن تهرب منه وقد بات جزءا منها وقطعة من كيانها ، يعز عليها أن تسعى بنفسها إلى اقتلاعه !!
يد الطبيب لا تزال تنخر في ضرسها المتشبث بمكانه .. الرافض التزحزح عن موقعه .. روحها تنعصر وتتلوى ، دموع غزيرة تسيل على وجنتيها ، دموعها تغرقها وكأنها دفق مطر غزير يسقي ملامحها ويروي قسماتها .. لا بد مما ليس منه بد .. لا بد أن يقتلع الضرس!!
رباه .. كيف لها أن تطيق أن يضحي مكانه فراغا في جوفها .. مجرد فراغ ؟! كيف لها أن تطيق ابتعاده عنها ؟! كيف لها أن تعيش دون أن يكون جزءا من حياتها ؟!! ما أصعب اقتلاعه من حياتها ..
يد الطبيب لا تزال تعمل داخل فيها ، لم يعد هناك ألم بل شلل كامل يمتد إلى جميع خلايا وجهها ..الألم لم يعد في الضرس بل تركز هناك في مكمنه الحقيقي داخل ثنايا روحها .. الألم هناك يمد يديه العابثتين ليعيث تخريبا وتدميرا في نفسها !! لا بد أن تقتلعه .. لا بد أن تتركه .. لا بد مما ليس منه بد !! لا بد من عملية الخلع مهما كانت مؤلمة !!
( دقائق وينتهي كل شيء ) الطبيب يؤكد لها ذلك !!
( ليتها دقائق أيها الطبيب .. ليتها تكون دقائق ثم احصل بعدها على الراحة المأمولة ) لسان حالها يجيبه ولكنها لم تنبس ببنت شفة..
بحركة رشيقة انتهى بها الطبيب من محاولاته الدؤوبة يرفع لها الطبيب ضرسها بآلته الطويلة قائلا : ( انتهينا يا ست هذه هو ضرسك العنيد )
تشعر بطعم الدم في فمها .. تغص بطعم الدم ، رائحة الدم النفاذة تملأ خياشيمها ، تحتل كل جزيئة من رأسها .
تتناول الكأس لتغسل فمها من آثار الدم ، كم تكره هذا الطعم البائس !! يريها الطبيب ضرسها وجذره الطويل المكسو بدمها .. تنخرط في نوبة بكاء حادة .. عويل يخرج من هناك.. من مكامن الوجع ، عويل يقطع نياط القلب !!
(اليوم ستنامين قريرة العين لن تشعرين بالألم بعد الآن ) يؤكد الطبيب !!
تنظر له بعينين ذابلتين تستقر في قاعهما نظرة ساخرة
تغمغم بصوت لا يسمعه غيرها : ها قد ابتدأ مشوار العذاب !!
أمل زاهد
Tuesday, July 26, 2011
وهم الخصوصية
وهم الخصوصية !
لا تزال قضية الخصوصية احدى القضايا التي تربك الوعي الجمعي بضبابية مفهومها والتباسه ، والخوف على الخصوصية وانتهاك قيمها يمثل الورقة الرابحة لكل من يريد التشبث بالماضوية وسدانة الموروث في زمن تتلاطم فيه المتغيرات .. ! وغالبا ما يتم التمترس وراء الخصوصية العصماء عند أية تحديثات تقدم للمجتمع ، لتقدم الخصوصية حتى على تعاليم الدين نفسه، ولنغرق في تهويمات وضلالات تجعلنا نراوح مكاننا .. !
دون شك لكل ثقافة خصوصيتها وملامحها المحددة التي تجعل منها كيانا مستقلا بذاته ، ولا يعني احتكاك الثقافات أن تزول الخطوط الفاصلة والملامح المميزة لكل ثقافة، والاندماج لا يعني الانصهار والذوبان بل يعني التلاقح والتفاعل بين الثقافات ، وخلق علاقة جدلية بيننا وبين الآخر لا تقوم على التلقي السلبي ، بل على الانتقاء الواعي والتمحيص والغربلة .
و الثقافة الغربية نفسها ليست ثقافة واحدة بل هي ثقافات متعددة لكل منها ما يميزها مع اشتراكها في بعض الخصائص والصفات ، فالثقافة الإيطالية احتفظت بطرازها المعماري والثقافة الأسبانية احتفظت بهويتها الموسيقية والفرنسية بعاداتها الغذائية والانجليزية بتنظيمها ودقتها كما تنزع الثقافة الأمريكية نحو الابهار والضخامة .
والحضارة المعاصرة تتسع للاختلاف وتشجعه لأنها تعتبره مصدرا للثراء والتنوع ، وتؤكد على الخصوصية مع فتح الباب على مصراعيه لانتقاء القيم الجيدة من الثقافات الأخرى ، فلا خوف على الخصوصية إلا من الانكفاء على الماضي والتقوقع على الذات لأن ذلك سيكرس لدورنا كمستهلكين للحضارة وليس كمنتجين لها ويجعلنا نغرق في النرجسية وتضخيم الذات والاعجاب المرضي بالماضي دون القدرة على خلق حاضر مواز له .. !
والكارثة أننا إذا اكتفينا بلعب دور المستهلك ولم نعمل على إعداد أنفسنا للعب دور الشريك الفاعل في الحضارة المعاصرة فسنستمر في لعب دور التابع الذليل. والسؤال الملح الذي يطرح نفسه هو لماذا فقدت ثقافتنا مناعتها ضد الهيمنة وأصبحت تابعة ؟ ولماذا أصبحنا مجرد متفرجين ومبتلعين لتقنيات الحضارة ؟
الدين الإسلامي ليس هشا ولا ضعيفا وتعاليمه قادت المسلمين الاوائل إلى طريق العلم والبحث والتجربة ، وحرضت العقول على التفكر في سنن الله ومعجزاته في الآفاق ، وقد أخذت الحضارة المعاصرة من الحضارة الإسلامية أبجديات منهج البحث العلمي القائم على الاستقراء والتجربة كما أخذت من الحضارات السابقة للإسلام .. ! ولكن المسلمين هم الضعفاء لأنهم يتعاملون مع الآخر من منطلقات الإحساس بالنقص والتوجس ، فلا خوف على ديننا أو إيماننا من احتكاكنا واندماجنا مع الآخر، ويمكننا التطور والاندماج في الحضارة المعاصرة دون أن نفقد هويتنا أو خصوصيتنا الثقافية .. علينا فقط أن نثق بأنفسنا وننقد موروثنا الثقافي بكل شجاعة وننتخب منه ما يدفعنا قدما في طريق التقدم ، وأن ننفتح على الآخر ونتخلص من مخاوفنا المرضية !
ليس هناك مفر من الانخراط في ركب الحضارة الحديثة ، إما كصنّاع لهذه الحضارة وإما كمستهلكين لمنجزاتها وشتان ما بين الصانع والمستهلك .. ! والمسألة ليست مسألة قبول أو رفض أو انتقاء لأننا لسنا في سوبر ماركت .. ! المسألة إما أن ندخل العصر كشركاء وإما كمتطفلين وليس هناك خيار ثالث لأننا وببساطة لا يمكن أن نعيش خارج العصر !
أمل زاهد
Sunday, July 17, 2011
ثقافة الفساد والسنن الاجتماعية
ثقافة الفساد والسنن الاجتماعية !
تسود مجتعاتنا ثقافة لا تستهجن الفساد ولا تستنكره بل تتقبله كأمر واقع وحتمي ، وإن اُستنكر شفط الأموال على خلفية المشاريع الضائعة وهدر المال العام ، إلا أن الفساد الإداري يتسلل بأياديه الخفية إلى بنية المجتمع دون وعي به أو إدراك لخطورة نتائجه !فتنتشر المحسوبية واستغلال السلطة والغش والتدليس وعدم الأمانة في أداء العمل ، وعدم الالتزام بالدوام الرسمي ، واستخدام سيارة العمل وتلفون العمل لأغراض شخصية وهلم جرا ! ولتجميل القبيح وللتخفيف من وقع بعض المسميات تصبح الرشوة هدية ، والواسطة والمحسوبية شوفة خاطر ومراعاة للقرابة ، حيث لا ضرر من اللجوء للواسطة لتوظيف الابن أو لينال البعثة ، وحتى المتربع على الكرسي يرى من واجبه منح الوظائف والامتيازات لبني عصبته ، وإلا اتهم بقلة الخير وبالأثرة والأنانية من أهله وعشيرته !
ورغم أهمية الوعي الفردي بضرورة محاربة الفساد بكافة أشكاله في دائرة الذات وما حولها ، إلا أن تفكيك ثقافة الفساد ببنيتها الآسنة لا يمكن أن يثمر ويؤتي أكله إلا عندما يبدأ من أعلى إلى أسفل وليس العكس ! ولا يمكن تحليل هذه البنية ومقاربتها ومعالجتها منفصلة عن الطبيعة البشرية والسنن الاجتماعية والظروف الاقتصادية والسياسية التي تمر بها المجتعات ! ففي ظل اختفاء العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وانتشار الفقر والعوز ، وسيادة ثقافة العصبيات والولاءات والمنح وإغداق المكرمات على من لا يستحقها لا بد أن ينتشر الفساد ! وتفكيك هذه الثقافة على المستوى الفردي لا يأتي عبر المواعظ الأفلاطونية المثالية، ومطالبة الإنسان بالتقوى ومراعاة الله فيما يفعل ، فالجائع الذي يبحث عن قوته وقوت عياله سينام ضميره رغما عنه ، عندما يرى أن الوسيلة الوحيدة لإطعام الأفواه الجائعة هي التحايل والطرق الملتوية! ومن يعرف أن الوظيفة ومورد الرزق ستتجاوزه إلى من هو أقل منه كفاءة إذا لم تكن لديه واسطة ، لن يتوان عن طلب الفزعة إذا ما سنحت له الفرصة ! ومن يعرف أن ابن المدير ينجح وينال أعلى الدرجات دون بذل جهد بينما يتعب ويشقى ويجهد نفسه في المذاكرة ، سيشعر بالغبن والقهر والإحباط ، وقد توجهه نوازعه البشرية للغش بدلا من التحصيل والانتاج! والمجتمع الذي يرى أن ثقافة الولاء مقدمة على ثقافة الانجاز ، لن يهتم بالإنجاز بل سيتهم بتقديم فروض الولاء والطاعة لمن يجلس على كراسي السلطة ، وهكذا تهدر الأوطان !
معالجة هذا الثقافة ودحرها وتقويضها يأتي عبر تطبيق القوانين وتفعيلها ( كائنا من كان ) من مارس الفساد . ودحر الفساد بشتى أشكاله يأتي عبر المساءلة والمراقبة ثم المحاسبة والمعاقبة ، والتي لا يمكن أن تتم إلا عبر تفعيل مؤسسات المجتمع المدني التي تراقب الفساد وتدعم الحكومة في رصد ممارساته .. ، وقبل كل هذا وذاك سيادة العدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين وتحسين مستوى الدخل والقضاء على البطالة وتحسين مستوى التعليم ليخرج أفرادا منتجين . ولا ننسى دور الإعلام الحر في كشف الفساد ورصد التجاوزات ، وإشراع الأبواب أمامه وتمكينه من صناعة الخبر ومتابعة حلقات الفساد ودوائره . وبما أن الدروب موصدة دون ما ذكر آنفا ، فسيظل الفساد ينخر ويستشري في كل مكان حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا .
أمل زاهد
Subscribe to:
Posts (Atom)